تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
علميّة وحقيقيّة على عالم الإمكان وعالم الخلقة . أي أنّ الذين يمكنهم الشهادة هم الذين تخطّوا مضيق الجهات وعالم الطبع والنزعة المادّيّة وحبّ الدنيا ، والذين تجاوزوا الأمور التي تحجب النفس وتحصر مدركاتها بالأمور التي تربط الإنسان بالخارج عن طريق الحواسّ الظاهريّة ، حيث لا تنحصر حواسّهم بالحواسّ الخمس الظاهرة ، فقد صارت حاسّتهم السادسة يقظة فعّالة ، وتفتّحت بصائرهم وأصبحت أرواحهم ذات سيطرة وهيمنة . وبعبارة أخرى فإنّهم يمثّلون موجودات تعيش في هذا العالم أو ارتحلت عنه ، إلّا أنّها تمتلك إحاطة علميّة بجميع الموجودات ؛ ولو لم تكن كذلك لتعذّرت عليها الشهادة بهذه الكيفيّة . وينبغي أن يكون الأمر كذلك ، لأنّ الأفراد الذين يشهدون يوم القيامة ، إنّما يشهدون بإذن الله تعالى ، إذ لا حقّ لأحد في الكلام ذلك اليوم إلّا بإذن الحقّ تعالى وتقدّس : يَوْمَ يَأتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلَّا بِإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ، فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ، خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ، وَأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ . « 1 » ومن هنا فمن المسلّم أنّ أولئك الشهداء الذين يريدون الشهادة ، إنّما يشهدون بإذن الله تعالى ، وهذا الإذن ليس إذناً شكليّاً . بل ينبغي - إضافة إلى الشرف الحاصل للمأذون بالكلام بإذن الله سبحانه - أن يكون له قدرة على الكلام بصورة صحيحة في عالم التكوين والحقيقة ، وينبغي له - إذ
هامش
( 1 ) - الآيات 105 إلي 108 ، من السورة 11 : هود .