تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الحرّيّة - من حقوقهم البديهيّة ، وانهالوا بالهراوات على رؤوس الناس ليكفّوا عن الأصالة والحقيقة ، وسعوا إلى إشغالهم وخداعهم بألفاظ الحرّيّة الجوفاء التي لا محتوى لها . فهؤلاء أعمالهم حابطة ، وليس لهم يوم القيامة كتاب . مَثَل فعلهم كمثل عود ثقاب تشعلونه في مخزن للكتب ، فهو كافٍ لإحراق الجميع . ولو كان المرء عالماً مثقّفاً مجدّاً قد دوّن عدّة كتب ، فإنّ عود ثقاب واحد كافٍ لجعل ذلك طعمة للحريق في لحظة واحدة . ولو حزم المرء كتبه الخطّيّة في صرّة ثمّ ألقاها في النهر ، فإنّ تلك الكتب التي دوّنت خلال فترة مائتي سنة - مثلًا - ستكفيها لحظة واحدة لتغرق وتضيع . وهذا هو معنى الحَبْط وكيفيّته . فلا عجب - إذاً - من أنّ عملًا صغيراً له القدرة على إتلاف عمل مائتي سنة ، إذ إنّ كلمة كفر واحدة يتفوّه بها المرء ، تجعله كافراً جهنّميّاً ، وزلّةً واحدة من على قمّة جبل أو إهمالًا وعبثاً بسيطاً يمكن أن يهوي به إلى قعر وادٍ مخوف تنسحق فيه عظامه ، فيُقبر هناك إلى الأبد . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يُحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا « 1 » . إنّ أخسر الناس وأفرغهم وفاضاً هم الذين تنتهي جميع نشاطاتهم ومساعيهم وآمالهم الشخصيّة في الحياة الدنيويّة الوضيعة ، فيُخيّل لهؤلاء المساكين أنّهم كانوا منشغلين بأعمال الخير ، مع أنّهم سيخرجون صفر اليدين لأنّهم لم يفعلوا شيئاً في سبيل الله تعالى لينفعهم في عاقبة الأمر ، ولأنّهم لم يتنازلوا عن شخصيّاتهم وغرورهم وعُجبهم ، ولم يعملوا من أجل نيل رضا الله عزّ وجلّ ، وطيّ طريق لقائه والتقرّب لساحته . فكانت العاقبة أن صارت أعمالهم لا تساوي في عالم الحقائق ومعيار
هامش
( 1 ) - الآية 104 ، من السورة 18 : الكهف .