المقدّمة الثانية : إنّ القرآن ليس تلك النقوش التي يدوّنها الإنسان على الصفحات ، ثمّ يحفظ تلك الصفحات بين الدفّتين ، فذلك هو القرآن المكتوب . إذ إنّ حقيقة القرآن هي معناه ؛ ومعنى القرآن أمر رفيع متعال ومن هنا فإنّ الذين يتعاملون مع القرآن باستمرار ، سيستفيدون من حقيقته ومعناه كما سيستفيدون من ظاهره .
وقد جاء في القرآن الكريم : بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ اوتُوا الْعِلْمَ . « 1 »
أرجحيّة المؤمن على القرآن والكعبة
وبناءً على هاتين المقدّمتين ، فحين يحتلّ المؤمن مقام الإيمان فيُحيى الإيمانُ ؛ وحين تصبح حقيقة المؤمن متمثّلة في معنى القرآن وحقيقته ؛ وحين يصبح للمؤمن معرفة بالقرآن بحيث تترسّخ حقيقة القرآن وتتجلّى في روح المؤمن ونفسه ، فإنّ ذات المؤمن ستصبح قرآناً ، ووجوده سيصبح قرآناً . وقد جاء في الروايات :
المُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ القُرْآنِ وَالكَعْبَةِ .
لما ذا ؟ لأنّ هذا القرآن هو ورق قد خُطّت عليه كلمات ، كما أنّ الكعبة هي عبارة عن لَبِنٌ قد بُنِيَ بالطين . فإن تجلّت حقيقة القرآن في روح المؤمن فإنّ وجوده سيحيى بحياة القرآن ويصبح قرآناً حقيقيّاً . ولو وصل المؤمن إلى درجة معرفة الله سبحانه ، لصار وجوده مطافاً ، أي صار كعبة . وبطبيعة الحال فإنّ حقيقة الكعبة أشرف من هذه الكعبة ؛ كما أنّ حقيقة القرآن أشرف من هذا القرآن .
فإن انطوى مؤمن على القرآن بحيث تجلّت جميع جوانب القرآن في ظاهر المؤمن وباطنه ومعانيه وأخلاقه وعقائده وملكاته ومعارفه
هامش
( 1 ) - الآية 49 ، من السورة 29 : العنكبوت .