وفي الرواية : اتَّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ .
إنّ المؤمن يرى بنور الله ، ويسمع بنور الله ، ويتاجر بيد الله ، لأنّه أعطى كلّ ما لديه في سبيل الله تعالى وخرج من حدود الجهات وتخطّى عالم الشهوة ، فصار يعلم ويرى بعلم الله سبحانه . وهذه الحال هي التجرّد الذي يحصل للإنسان بواسطة التأمّل والتفكّر والعبادة .
وإذاً ، فكما أنّ للإنسان بدناً مادّيّاً وقلباً صنوبريّاً مادّيّاً ، بحيث إذا توقف قلبه عن العمل ، مات بدنه وتعفّن ؛ فإنّ له - من الجهة الأخرى - قلباً معنويّاً وعلماً مخزوناً إذا نوّره الله بنوره ، انبعثت الحياة في روحه ، وإن لم ينوّره ، صار ميّتاً مهما كان بدن الإنسان حيّاً يقوم بحركاته ونشاطاته الطبيعيّة .
لذا جاء في الآية القرآنيّة الكريمة : أمَوَاتٌ غَيْرُ أحْيَآءٍ بَل لَا يَشْعُرُونَ . « 1 »
إنّ فاقدي الإيمان والذين لا يمتلكون معرفة بالإيمان والتوحيد هم أموات غير أحياء .
كما جاء : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ . « 2 »
أي أنّ النطفة الإنسانيّة والخلافة الإلهيّة التي هي مركز الإدراكات فيهم قد استترت لديهم أو ماتت تحت حجاب الرين ودنس الذنوب والشهوة والصفات البهيميّة والشيطانيّة ، فصاروا لا يسمعون الحقائق مع أنّ لهم آذاناً ، ولا يرون الحقائق مع أنّ لهم أعيناً ، ولا ينطقون بالحقائق مع امتلاكهم ألسنة .
هامش
( 1 ) - الآية 21 ، من السورة 16 : النحل ، والآية على النحو التالي : « أمواتٌ غير أحياء وما يشعرون أيّان يُبعثون » .
( 2 ) - الآية 171 ، من السورة 2 : البقرة .