وسيُقال للإنسان : تعالَ وانظر أعمالك ! فمن عمل صالحاً ، شاهد عمله الصالح ؛ ومن ارتكب عملًا طالحاً شاهده بصفته ونعته ، إذ إنّ ما يصدر من الإنسان في عالم الموجود ثابت لا يزول ، ومن المحال أن يطرأ العدم على شيء تلبّس برداء الوجود . منتهى الأمر أنّ العمل يختفي عن ناظر الإنسان ، ثمّ يُفتح ديوان الأرض فتتبدّل الورادات إلى صادرات ، ويُعطى كلّ امرئ سجلّه بيده ويقال له : تطلّع وانظر مِنْ كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ .
ويستفاد من هذه الآيات القرآنيّة أن بقاع الأرض تشهد على كلّ عمل يُرتكَب عليها ، وعلى كلّ حادثة تقع فوقها . فكلّ نقطة من الأرض لها مع الإنسان نسبة وعلاقة تجعلها تشهد على سلوكه وسيرته .
فجبال الهمالايا - مثلًا - لا تشهد على عملنا ، بل ستشهد عليه البقاع والأماكن التي لنا معها ارتباط ونسبة ، والتي وقعت ظرفاً لمكاننا بعنوان « أين » . كما أنّ الأزمنة السالفة مثل أيّام موسى وعيسى عليهما السلام لا تشهد على أعمالنا ، بل الشاهد عليها هو الزمن الذي نعيش فيه ، والظرف الزمنيّ الذي يحتوي وجودنا .
لذا فإنّ كلّ أرض وزمان ستحكى عن تلك النسب والارتباطات التي أخذتها وتحمّلتها من جميع الأفراد الموزّعين على ظهرها . وقد ذُكرت هذه المطالب تحت عنوان الفلسفة الكلّيّة لشهادة الأمكنة والبقاع والزمان والأرض ، أمّا بالعنوان الفرعيّ ، فلدينا روايات في هذا المجال جاء فيها أنّ كلّ مكان تصلّي فيه يشهد على صلاتك ، وكلّ مكان تزوره يشهد لك ، وكلّ مكان تحجّه يشهد لك . فأرض عرفات والمشعر ومنى تشهد يوم القيامة على وقوفك ومبيتك وتقديمك القربان ورميك ؛ وجبلا الصفا والمروة يشهدان . كما أنّ السعي بين الصفا والمروة ، والطواف حول الكعبة لهما روح ونور وحياة وشعور ، وهما شاهدان سيشهدان .
معرفة المعاد — صفحة 200
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٠٠