الفطرة التي أودعها الباري المتعال في هذا الموجود والخاصّيّة التي جعلها فيها والقوى الفكريّة والخلقة والغرائز التي جهّزها بها بحيث صارت تبني لنفسها بيوتاً وخلايا بين ثغرات الجبال والأشجار وفي فتحات سقوف البيوت . تلك البيوت المجلّلة السداسيّة المشيّدة وفق قواعد هندسيّة بحيث تعدّ من أفضل البيوت ، دون أن يطرأ عليها خلل أو نقص . أي أنّه تعالى جعل نظام النحل وقوامها الوجوديّ وحدودها الماهويّة على هذا النحو لتكون على هذه الهيئة والكيفيّة . وهذا النظام قائم على أساس خلق الله تعالى حدوثاً وبقاءً .
أي أنّ هناك في كلّ لحظة وحياً من الذات القدسيّة للرحمن إلى هذا المخلوق المعصوم المنقاد في أساس خلقته ، وفي إفاضة الخلقة والشعور والإدراك ، وفي تسديده باستمرار بهذا الفهم والشعور وفي حدود قدرته ، وفي إرادته وهدفه ، في القيام بهذه الوظائف .
معنى إيحاء الله للأرض لأداء الشهادة
بِأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا .
أي أنّ الله عزّ وجلّ يعطي الأرض قوّة يمكنها من خلالها إخراج تلك الوقائع التي قامت بتسجيلها وحفظها في الديوان بعنوان واردات دونما تغيير أو تبديل ، وعرض تلك الوقائع حين يحين موعد العرض والمناقشة في محكمة العدل الإلهيّ ، وإظهارها على مرأىً ومسمع من أصحابها وليراها غير أصحابها ممّن يشاء الله سبحانه .
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أشْتَاتًا لِيُرَوْا أعْمَالَهُمْ .
يخرج الناس جماعات جماعات ليروا أعمالهم ويتّضح بأن حديث الأرض يتمثّل في عرضها وإراءتها . أي أنّ حكاية هذه الأرض ما أوحى لها الله تتمثّل في عرضها الأعمال أمام أنظار أصحابها . فحديثها وكلامها - إذاً - هو عرضها وإراءتها .