بشأنه ، ثمّ تؤدّى تلك الشهادة . فهي إنّما تكتسب اليوم لتؤدّى غداً . اليوم يوم الطيّ وغداً يوم النشر والعرض . وهكذا تنشأ الأعمال متعاقبةً في اتّصالها بالزمان ، ويسير الإنسان على هذا الخطّ المتدرّج المتّصل زمنيّاً ويتقدّم في مسيرته ويخلّف أعماله الواحد بعد الآخر ، ويُخيّل إليه أنّ تلك الأعمال قد زالت وفنيت . بَيدَ أنّ الأمر ليس كذلك ، إذ إنّ الشيء الذي وُجد سوف لن يُعدم . وتلك الأعمال موجودة في الحقيقة ومحفوظة في مواضعها ، وسيُفتح هذا الشريط المسجّل غداً فتقرأ عجلة الزمان الحقائق المدوّنة . وسيُظهر المكان تلك الحقائق ، فيشاهد الإنسان نفسه في مواجهة جميع أعماله بخصائصها وكيفيّاتها .
أي أنّنا سنشاهد غداً ساحة المسجد التي نجلس فيها الآن مع جميع هذه الخصوصيّات ، بينما نتصوّر - على ضوء معنى انقضاء الزمان ودورانه - أنّ هذه الساعة ستنقضي ، وأنّ وجودنا مرهون بهذه اللحظات التي نوجد فيها . ثم سنشاهد غداً هذا المجلس مسجّلًا بجميع جهاته الظاهريّة والباطنيّة ، ليس كمثل تسجيل مسجّلات الصوت المادّيّة فحسب ، بل إنّ جميع الموجودات التي يحتويها ظرف الزمان والمكان ، مضافاً إليها نفس الزمان والمكان ، ستنضمّ كذلك في داخلها على عالم التكوين بجميع خصوصيّاته ، من الأعمال الظاهريّة والخواطر الذهنيّة والنوايا القلبيّة ، ثمّ إنّها ستأتي بعد ذلك لتشهد . فهي الآن تكتسب تلك الأمور بصورها المُلكيّة ( المتعلّقة بعالم المُلك ) ، ثمّ تعيدها في ذلك العالم في صورها الملكوتيّة .
على أنّ مشاهدة تلك الصور الملكوتيّة ، وذلك النحو من الشهادات المعنويّة ، أمر يستدعي العجب الكثير . ومشاهدة تلك الصور في هذا العالم أمرٌ لا يحتمله إلّا العباد المصطفَون لذات الحقّ تبارك وتعالى .
ينقل المرحوم عليّ بن طاووس رضوان الله عليه ، وهو من علماء
معرفة المعاد — صفحة 176
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٧٦