الإنسان مُفْسِدٌ في الأرْضِ . ولقد كانت الملائكة أوّل مَن دعى الإنسان مُفسداً في الأرض ، إذ كانوا يعلمون أنّ الإنسان لن يَدَعْ على هذه الأرض دماً إلّا سفكه ، ولا فساداً إلّا ارتكبه .
وعلى هذا الأساس ، حيث لا سبيل لنا إلى معرفة الموجودات الأخرى ، فينبغي ألّا نقول بأنّها عديمة الشعور والحياة . بل هي موجودة ، والوجود يقتضي الحياة والعلم والقدرة التي هي من لوازمه . وهذه مسألة لا يتطرّق إليها الشكّ . وبناءً على هذه النظريّة فإنّ لعالم الوجود حياة ، ولُاسطوانة المسجد حياة ، ولهذه السجاجيد التي نجلس عليها حياة وشعور ؛ وستجيء يوم القيامة فتشهد .
إنّ الزمان هو أحد الموجودات التي ستأتي فتشهد ، كما أنّ المكان - بدوره - يمثّل أحدها . وسنشير إليهما إن شاء الله تعالى لاحقاً في بحث شهادة الزمان والمكان .
فهذا العالم الذي نعيش فيه - إذاً - عالم طافح بالحياة والقدرة والعلم ، ولكن وَمَآ اوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا .
فلننظر إلى أنفسنا ونتأمّل ، هل نمتلك علماً بجميع الموجودات وبجميع أسرار الكائنات ؟ وما مقدار علمنا هذا ؟
لقد انقضى عمر الفلاسفة الأعلام وهم في بحث دؤوب سواءً المتديّنين منهم أم غير المتديّنين ، ولكنّهم جميعاً يعترفون بأنّهم لم يفهموا شيئاً .
يقول ابن سينا :
تا بدانجا رسيد دانش من * كه بدانم همى كه نادانم « 1 »
هامش
( 1 ) - يقول « لقد وصل علمي إلى أن أدرك أنّي لا أعلم شيئاً » .