ويستفاد من هذا الأمر - كما ذكر الفقهاء - أنّ الخطابات القرآنيّة موجّهة إلى الكفّار كما هي موجّهة إلى المؤمنين . إذ إنّ هناك بحثاً في اختصاص الأحكام والتكاليف بالمسلمين ، أو شمولها لعامّة الناس بما فيهم المؤمن والكافر . الحقيقة أنّها موجّهة لجميع الناس ، منتهى الأمر أنّ الكفّار لو جاءوا بها ما تُقبّلت عبادتهم منهم ، لأنّ الإسلام وقصد القربة هما شرطا القبول . وباعتبار أنّ الإسلام ونيّة القربة في متناول أيديهم ؛ فإنّهم يستطيعون أن يُسلموا من خلال التلفّظ بالشهادتين ، ليمكنهم قصد القربة ثمّ القيام بتلك الأعمال . وَالإيجَابُ بِالاخْتِيَارِ لَا يُنَافِي الاخْتِيَارَ ، كَمَا أنَّ الامْتِنَاعَ بِالاخْتِيَارِ لَا يُنَافِي الاخْتِيَارَ . « 1 »
وعلى هذا الأساس فكما يؤاخذ الكفّار يوم القيامة ويعذّبون فيما يتعلّق بأصول الدين ؛ وكما يسألون عن علّة عدم إيمانهم وعدم توحيدهم وعدم إسلامهم وعدم اعتقادهم بالمعاد ، فإنّهم - كذلك - سيُسألون لما ذا لم يصلّوا ، ولما ذا لم يزكّوا ، ولما ذا لم ينكحوا وفق نكاح الإسلام ؟
حَتَّى إذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم .
والظاهر هنا من الجلود ، تلك الجلود البدنيّة التي تُذنب ، وهي كناية عن الفُروج . إذ لو كانت اليد تُذنب ، لما قال شهد عليهم جلود أيديهم ، بل لقال : شهدت عليهم أيديهم . ولو كانت الرِّجل تذنب لما قال : شهد عليهم جلود أرجلهم ، ولقال : شهدت عليهم أرجلهم . والأمر كذلك بالنسبة إلى
هامش
( 1 ) - هاتان قاعدتان اصوليّتان تُبحثان في علم الأصول ، ومفادهما أنّ الشيء الذي يجب على الإنسان من خلال اختياره ، فيضطرّ الإنسان للإتيان به ، لا منافاة له مع اختيار الإنسان . والأمر نفسه بالنسبة للشيء الذي يمتنع على الإنسان باختياره ، إذ لا منافاة له مع كون الإنسان مختاراً .