وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا ، فيعترضون على جلودهم : أنّنا لم نكن نتوقع أن تشهدوا علينا . إنّ بشرة الإنسان أقرب إليه من كلّ شيء ، ولا ينبغي لها أن تشهد عليه . وبالإضافة إلى حبّ الإنسان لنفسه فإنّه يحبّ في هذه الدنيا أفراداً غرباء فيبادلهم المودّة والصُّحبة من أجل أن ينفعونه في الشدائد وعند الضرورة . أمّا الآن فقد آن أوان يشهد فيه على الإنسان بشرته وجلده .
قَالُوا أنطَقَنَا اللهُ الذي أنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ : إنّ الذي أنطقنا هو الذي بدأكم ثمّ إليه منتهاكم ومعادكم ، والذي خلقكم ثمّ إليه عودتكم في مسيرتكم التكامليّة تجاهه .
وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أرْدَاكُمْ فَأصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ .
ذلكم ظنّكم السيّئ الذي ظننتموه بربّكم ، فتخيّلتم أنّه غير مطّلع على أعمالكم ، فجُزيتم بالخسران على سوء ظنّكم بالله فصرتم من الخاسرين ، وصرتم على شفا هاوية من النار ، وعلى وشك السقوط في اتونها .
ومن خلال التأمّل في هذه الآيات نحصل على نتائج مهمّة هي :
شهادة الأعضاء والجوارح مختصّة بأعداء الله
أوّلًا : أنّ الآيات الدالّة على شهادة الأيدي والأرجل والآذان والأعين والجلود يوم القيامة متعلّقة بأعداء الله . فلم يرد في آية من القرآن الكريم أنّ جلد المؤمن أو يده أو رجله ستشهد عليه يوم القيامة . فشهادة الجوارح والجلود - إذاً - أمر منحصر بالكفّار وأعداء الله من غير المؤمنين ؛ والجوارح لا تشهد على المؤمنين من أهل المعصية .
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْدَآءُ اللهِ ؛ أي أنّ أعداء الله سيحشرون فتصبح حالهم كما ذكرنا .