- إذاً - عين علم الحقّ وشهادته .
وبعبارة أبسط بياناً ، فإنّ الملائكة لا يمتلكون استقلالًا بأنفسهم ، إذ ليسوا إلّا مجرّد آلة محضة ، ومرآة وآية محضتان . ولقد تجلّى علم الله تعالى فيهم ، فصاروا يرون ويتحمّلون بواسطة علم الحقّ تعالى ثمّ يقومون بأداء الشهادة .
ومن هنا فإنّ هذه الأمور تنتسب للملائكة بلحاظ مقام الكثرة ، وتنتسب إلى الحقّ تبارك وتعالى بلحاظ مقام الوحدة . وهي بلحاظ مقام الوحدة في الكثرة منتسبة إلى الحقّ الذي ظهر وتجلّى في هذه المرايا . كما أنّها بلحاظ مقام الكثرة في الوحدة منتسبة إلى الملائكة ؛ قد نشأت بعلّة التحقّق بالحقّ تعالى .
وبتعبير أبسط فإنّ علم الملائكة وشهادتهم هما عين علم الله وشهادته ، إذ لا استقلال - عموماً - للوسائط بنفسها ، بل هي طلوع وظهور لعلم الله من خلال مرايا وجود هذه الوسائط ، دون أن يكون للوسائط بنفسها أيّ دخل في ذلك ، وهذا هو المعنى الحقيقيّ للتوحيد .
عالم التكوين يقظ ومراقب وحفيظ
يقول الله عزّ وجلّ : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ وَلَا في السَّمَآءِ وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أكْبَرَ إلَّا في كِتَابٍ مُّبِينٍ . « 1 »
فما الذي يعنيه ذلك ؟ يعني أنّ كتاب الله المتجلّي ( وهو عالم التكوين والخلقة ) هو عين علم الله سبحانه . فعلمه تعالى إذاً ليس منفصلًا عن عالم الخلقة وكتاب التكوين . كما أنّ عالم التكوين والشهادة - في المقابل - ليس منفصلًا عن علم الله عزّ وجلّ .
أمْ يَحْسَبُونَ أنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
هامش
( 1 ) - الآية 61 ، من السورة 10 : يونس .