إلى أن يصل إلى هذه الآية : وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . « 1 »
والله وحده يعلم ما ذا كان الأب والابن يدعوان سويّاً بينما كانا منهمكين في بناء الكعبة ورفع قواعدها ، وما ذا كانت حالات مناجاتهما وارتباطهما بخالقهما ، وأيّ لذّة كانت لهما في حوارهما مع ربّهما . والقرآن الكريم يذكر لنا قدراً من تلك الأدعية في هذه الجملات ، حتّى يصل إلى هذه الآية : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ امَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ . « 2 »
وعلينا أن نعرف أوّلًا أيّ إسلام هو ذلك الذي طلبه النبيّ إبراهيم في دعائه ؟ أهو هذا الإسلام العاديّ الذي ينتمي إليه الناس ، والذي يتلبّسون به بمجرّد تفوّههم بالشهادتين ؟ أكان إبراهيم - وهو من أنبياء اولي العزم وذوي الكتاب والشريعة - يدعو للحصول على مثل هذا الإسلام ؟ بالإضافة إلى أنّ النبيّ إبراهيم لم يدعُ بهذا الدعاء يوم كان صبيّاً غرّاً أوّل بلوغه ولا دعا به في مطلع رسالته ، بل حين صار شيخاً كبيراً قد تجاوز عمره مائة سنة أو مائة وسبع عشرة سنة ، مرّ خلاله بأربعة وعشرين ابتلاءً واختباراً ، ونال درجة الإمامة التي تفوق درجة النبوّة ، وكان من بين تلك الابتلاءات ذبح ولده إسماعيل ، وما مرّ به في أرض بابِل حين حطّم الأصنام ورُمي بالمنجنيق في النار ثمّ ابعد إلى أرض الأردن وفلسطين حيث قضى هناك مدّة طويلة يدعو إلى التوحيد ، ثمّ إرساله ابن أخيه أو ابن أخته النبيّ لوط برسالته ودعوته . وبعد تحمّله شدائد ومحن من زوجته سارة التي لم تُنجب منه . وكانت سارة قد وهبته فتاة جميلة تُدعي هاجر كان ملك بابل قد أهداها لها ،
هامش
( 1 ) - الآية 127 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآية 128 ، من السورة 2 : البقرة .