ولدينا في القرآن الكريم سورة باسم سورة « المنافقون » .
ولقد عانى رسول الله من أذى منافقي امّته أكثر من معاناته من أذى الكفّار والمشركين بكثير ، مع أنّ الكفّار والمشركين كانوا يوحّدون صفوفهم في أغلب الغزوات - مثل غزوة الأحزاب - للقضاء على رسول الله والمسلمين ، وكانوا يُثيرونها حرباً شاملة تتآلف فيها جميع الطوائف لكسر صولة الإسلام ، وتوحّد مساعيها لقمعه واستئصال جذوره . إلّا أنّ ضرر المنافقين وأذاهم يبقى - مع هذا كلّه - أشدّ وأقسى على الإسلام ونبيّ الإسلام . والشواهد التأريخيّة والأخبار والروايات الواردة في هذا المجال تضيق على الحصر . لذا نشاهد الشدّة والقسوة في لحن الآيات القرآنيّة في خطابها للمنافقين ، أولئك المنافقين الذين شكّلت قصّتهم فصلًا كبيراً من تأريخ حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله .
والخلاصة ، فقد كان المنافقون يعدّون ضمن الصحابة ، أفكان القرآن الكريم يمتدح المنافقين ؟ كلّا بطبيعة الحال . إذ فضلًا عمّا ذُكر ، فإنّ لهذه الآية شواهد وقرائن دالّة على أنّ المخاطب بها لا يشمل جميع أصحاب رسول الله .
يقول القرآن : وَالَّذِينَ مَعَهُ أشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ .
ومن الجليّ أنّ هذه الصفات لم تكن موجودة لدى المنافقين ، فقد كانوا على العكس من ذلك أشِدَّاءُ عَلَى المُؤْمِنِينَ رُحَمَاءُ مَعَ الكُفَّارِ !
يقول القرآن : تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا ؛ بينما لم يكن المنافقون على هذه الكيفيّة ، يُضاف إلى ذلك أنّه لم يرد في التوراة والإنجيل ذكر للمنافقين وصفاتهم ، ولم يأت فيهما حديث عن أبي سفيان وعبد الله بن سلام ونظائرهما ؛ والشاهد على ذلك ما جاء في آخر الآية من الوعد بالمغفرة والأجر الجزيل لمن آمن من أصحاب النبيّ وعمل
معرفة المعاد — صفحة 94
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٩٤