وبناءً على هذا فينبغي للشاهد - حتماً - أن يستوي لديه أمر الغياب والحضور ، القُرب والبعد ، والمكان والزمان ؛ وأن ينظر على حدٍّ سواء إلى الماضي والمستقبل ، وإلى الأمكنة المختلفة ، وأن يعلم بالبواطن والسرائر ، ناهيك عن علمه بظواهر الأعمال ، ليمكنه تحمّل الشهادة وأدائها على النحو المطلوب ، وإلّا كانت الشهادة خارجة عن دائرة وجوده وإحاطة علمه .
في تفسير الآية الشريفة : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ امَّةً وَسَطاً
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ امَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا . « 1 »
والمخاطَب في هذه الآية هم المسلمون ، حيث يقول لهم الله : إنّنا جعلناكم جماعة معتدلة ذات سيرة معتدلة جميلة لا إفراط فيها ولا تفريط ، وجعلنا أموركم على أساس الاعتدال والقسط والعدل ، لتكونوا رقباء وشهداء على الناس ، ناظرين إلى أعمالهم ، شاهدين عليها . وليكون النبيّ الأكرم - بدوره - ناظراً إلى أعمالكم رقيباً عليكم وشاهداً .
وقد بحثنا مفصّلًا في أنّ هناك مزايا وخصوصيّات لازمة في الشهادة ومعدودة من شرائطها . فكيف - إذاً - يتوجّه الخطاب في هذه الآية إلى جميع الامّة الإسلاميّة ، امّة رسول الله ، مع علمنا أنّ من بين هذه الامّة يوجد القليل فقط ممّن لهم علم واطّلاع على حقائق الأعمال ووقوف على السرائر والضمائر ، ومع علمنا بأنّ غالبيّة الامّة تفتقر إلى الاطّلاع على مثل هذه الأمور ؟ يُضاف إلى ذلك أنّ من بين هذه الامّة الفاجر والفاسق . فكيف يخاطبهم الله تعالى : أنّا جعلناكم امّة وسطاً ذات سيرة معتدلة حسنة وجعلناكم شهداء على الناس ؟
لقد كان من هذه الامّة الضالّ والمضلّ والمنافق ، وكان يزيد بن
هامش
( 1 ) - مطلع الآية 143 ، من السورة 2 : البقرة .