معاوية وأبوه معاوية بن أبي سفيان يعدّان أنفسهما من هذه الامّة . أفيمكن أن يخاطب الله تعالى امّةً من بين أفرادها نماذج كهؤلاء ، فيمتدحها بأنّها امّة وسطاً ، ويجعلها شاهدة على أعمال الناس رقيبة عليهم ؟ أيمكن قبول هذا الأمر ؟ كلّا بطبيعة الحال .
في الخطابات العامّة ذات الملاك الخاصّ
فعلى الرغم من عموميّة ظاهر الخطاب ، إلّا أنّ ملاك الخطاب الذي يتحقّق على أساسه الحكم والإنشاء هو ملاك خاصّ . وقد تعلّق الخطاب العامّ بذلك الملاك وتلك الخصوصيّة التي يمتلكها أولئك الأفراد المعيّنون الذين هم بين الامّة والمحشورون معها ، من الحائزين على مستلزمات الشهادة .
ونظائر هذا الخطاب كثيرة في القرآن الكريم ، كما أنّها رائجة ومتداولة في العرف الأدبيّ وفي المحاورات الاجتماعيّة بين الفصحاء والبلغاء .
لنفرض - على سبيل المثال - أنّ حاكماً معيناً ينزعج ويتأثّر من بعض أفراد رعيّته ، فيقول في خطابه : « إنّ رعيّتي لا يلقون إليّ بالًا ، ولا يهتمّون بكلامي » مع أنّ بعض أفراد رعيّته - لا جميعهم - قد عصوه وخالفوه ، لكنّه أورد الخطاب على نحو العموم ، فجعل الجميع في معرض اللوم والعتاب .
أو كما يحصل في حزب أو جمعيّة ذات عنوان خاصّ يقوم بعض أفرادها بتصرّف ما ، فيتوجّه الخطاب إلى جميع الأعضاء ، سواءً كان مدحاً وثناءً أم لوماً وعتاباً ، مع أنّ ملاك الخطاب خاصّ بأفراد معيّنين .
وهذا المطلب من موضوعات فنّ البلاغة والفصاحة في الأدب ، يستخدمه الفصحاء والبلغاء في خطاباتهم على اختلاف اللغات والأمكنة .
وقد جاء في القرآن الكريم - على سبيل المثال - :
مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ