فأيّ حقٍّ أعلى - يا ترى - وأبعد من نفس عمل الإنسان الذي يوفّى له ؟ إنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
لقد كان دأبنا في الدنيا أن نسجّل ونستنسخ ما تعملونه ، كي لا يمكنكم إنكار نقطة واحدة منه ، وليس عملنا أضعف أداءً من عملكم في الدنيا ، فأنتم تستنسخون الأسناد والوثائق لئلّا يُنكر منكر أو يجحد جاحد ، فإن أنكر أحد قيل له إنّ النسخة الأصليّة هنا ، والصورة والهيئة والشمائل والحديث كلّه مسجّل لدينا .
إنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ كلّ ما تفعلون ، فما الذي يعنيه الاستنساخ ؟ وكيف تُعرض النسخة هناك ؟
إنّه يعني أنّ جميع الموجودات في كلّ زمان ومكان موجودة بجميع خصائصها في كتاب التكوين الذي يسير وينقضي ، فكتاب التكوين هو الإمام المبين ، ونحن نستنسخ منه ما يخصّكم ويتعلّق بكم فنواجهكم يوم الجزاء بتلك النسخة .
على أنّ جميع كتاب التكوين بأجمعه لا يهمّكم بطبيعة الحال ، فنحن إنّما سنطلعكم يوم القيامة على ما يتعلّق بكم فقط ، أمّا الاختلاف الواقع بين الرجل الفلانيّ والمرأة الفلانيّة في القرن الفلانيّ والسنة الفلانيّة والشهر واليوم والساعة واللحظة الفلانيّة في النقطة الكذائيّة من الدنيا ، فهو أمر لا يخصّكم بشيء ، ونحن نستنسخ منه نسخة لهما . أمّا بالنسبة إليك فنحن نستنسخ لك ما يتعلّق بك ويخصّك .
فما هي نسختك ؟ هي عملك ، وهي وجودك في كتاب التكوين منذ ولادتك إلى لحظة موتك . ذلك الوجود الذي سلّطناك عليه بعد البقاء الذي منحناك إيّاه بعد مرحلة فنائك . ومعنى الاستنساخ أن نضع هذا القدر من كتابك تحت سلطتك واختيارك . وهذا القدر الذي عرضناه لك من نسخة
معرفة المعاد — صفحة 204
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٠٤