ولا ظلم لما ذا ؟ لأنّ الأعمال هي أعمال الإنسان التي صدرت منه بإرادته واختياره ، وها هي نفس تلك الأعمال تُعطى للإنسان في صورتها الملكوتيّة المتناسبة مع ذلك العالم . فما الذي يعنيه الظلم من ثمّ ؟ ألم نقرأ يا تُرى :
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اخْرَى . « 1 »
إصلاح صحيفة أعمال الإنسان ممكن في الدنيا فقط
على كلّ فرد أن يحمل وزره - لا وزر غيره - بنفسه ، فليس - إذاً - من الظُلم أن يوفّى الإنسان يوم القيامة نفس أعماله المترشّحة عنه ، لأنّه لم يحمل وزر شخص آخر ، ولم يُلزم في عنقه طائر امرئ آخر ، وسيكون حمله هو وزره الذي ارتكبه في الدنيا باختياره وإرادته .
فَكَيْفَ إذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ . « 2 »
فكيف لو جمعناهم ليومٍ لا شكّ في تحقّقه ووقوعه ، يومٌ مجموعٌ فيه الناس ، ووفّينا كلّ نفس ما عملت دون أن يُظلموا شيئاً .
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ وَأنَّى لَهُ الذِّكْرَى . « 3 »
إنّ الأعمال التي فعلناها موجودة الآن ، منتهى الأمر أنّها مطويّة ، ثمّ تمرّ الساعات فتطوى هذه الأعمال وتعلّق في عنق الإنسان كشريط مسجّل ، إلّا أنّه شريط ملكوتيّ ، وهذا الشريط يلتقط الصوت كلّ لحظة ، يلتقط صوت المتكلّم ، وصوت دقّات الساعة ، وقرقعة مبرّدة الهواء ، وصوت العطسة التي قد يعطسها البعض ، ويسجّل كلّ شيء ، حتّى ينتهي الشريط .
هناك ملكان باسم « رقيب » و « عتيد » جالسان على منكبينا يستلمان
هامش
( 1 ) - الآية 18 ، من السورة 35 : فاطر .
( 2 ) - الآية 25 ، من السورة 3 : آل عمران .
( 3 ) - الآية 23 ، من السورة 89 : الفجر .