سيخرج الناس من القبور جماعات وأفراداً متفرقين ، لما ذا ؟ ليُروا أعمالهم . فيقول الإنسان : ما الأمر ؟ لما ذا تُحدّث الأرض أخبارها وقصصها ؟ وكيف تُخبر عن أحوالي ؟ لقد أوحى لها الله وأحياها وأيقظها وجعلها تتحدّث بحيث تأخذ الأعمال وتسجّلها ، وها هي تحدّث بها وتفصح عنها بكلامها .
وهناك في هذه الآيات القرآنيّة المباركة عدّة أنواع من التعبير :
أوّلها أنّ الله قد جعل الأعمال ملازمة للإنسان : ألْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ ؛ وجرى في موضع آخر التعبير بإحصاء الله تعالى : أحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ؛ وفي موضع آخر بالظهور والجلاء بعد الخفاء : بَلْ بَدَالَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُوهُ مِن قَبْلُ ؛ أمّا في هذه الآية : لِيُرَوْا أعْمَالَهُمْ فيقول : ليرى الناس أعمالهم ويطّلعون على حقيقة عملهم .
أفيستطيع الإنسان أن يُنكر صحيفة عمله تلك ؟ لو سُجّل صوت الإنسان وصورته في جهاز ما ثمّ عُرض له فإنّه لن يستطيع الإنكار ، أمّا في القيامة فالأمر ليس كتابة وتسجيلًا ، وليس تصويراً وعرضاً سينمائيّاً ، فالأمر فوق هذا وأعلى .
هنالك يؤتى بالإنسان وبالعمل الذي فعله حينما كان متلبّساً بارتكاب ذلك العمل ، لأنّ معنى البقاء بعد الفناء أن يبقى الإنسان ذلك اليوم يهيمن على بدنه الدنيويّ مع جميع أعماله التي قام بها . فيرى الإنسان نفسه - من ثمّ - وهو منهمك ، بالقيام بتلك الأعمال .
أنقدر الآن وفي هذه اللحظة أن نُنكر هيئتنا وحالنا الوجوديّ الحاضر ؟ أيمكن ذلك أساساً ؟ أيمكننا حين ينتهي حديثنا أن ننكره ؟
أنستطيع - يا ترى - إنكار حديثنا الذي قلناه ؟ أيمكننا إنكار نفس هذا التحدّث ؟ كلّا بطبيعة الحال ، لأنّ هذا الإنكار هو عين الإقرار والاعتراف ،
معرفة المعاد — صفحة 200
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٠٠