تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
لأنّ تلك الأعمال هي أعمالك التي صارت الآن حاضرة ومشهودة بمرأى منك ومسمع . ويُدعى هذا العالم بعالم تطاير الكتب ، وكما ذكرنا سابقاً فإنّ هذا العالم يمثّل نشر الأعمال بعد طيّها . إنّ الإنسان بعد أن يفنى ثمّ يجد البقاء بالله تعالى ويعود إلى عالم الوجود فإنّه سيرى نفسه وجميع أعماله منذ ولادته إلى موته مع جميع آثاره وخصائصه في كلّ نقطة من الأمكنة وكلّ لحظة من لحظات الزمان ، مع جميع القرائن المحيطة بالفرد والجماعات التي تعامل معها ، والأخلاق والصفات التي امتلكها ، والملكات التي حازها ، والنوايا التي انطوى عليها لفعل تلك الأعمال ؛ سيراها بأجمعها مبسوطة ومنشورة أمامه فيقرأها ويتلوها . وسيقال له : تعال ؛ فهذا كتاب عملك المتعلّق بك ! فينظر الإنسان إلى هذه الصحيفة ويرى - من جهة - أنّها صحيفته ، لكنّه لا يصدّق - من جهة أخرى - أنّ هذه الصحيفة على هذا القدر من الدقّة ، وأنّها قد دوّنت الصغيرة والكبيرة ، وأنّها دوّنت الأشياء التي لم تكن تلوح في نظر الإنسان أساساً ، ليس بكتابه القلم والحبر على الورق ، بل إنّها مكتوبة في عالم التكوين بقلم التحقّق والواقعيّة . وأنّ نفس عمل الإنسان قد اخذ وسُجّل ، وأنّه سيؤتى بنفس وجود الإنسان مع عمله ، بحيث إنّ الإنسان وعمله ليسا خارجين عن تلك النفس الناطقة والروح التي له . بل إنّ الإنسان يرى أنّ هذه الأعمال أعماله وآثاره ، فيعلم بها علماً حضوريّاً لا حصوليّاً ، وهو ممّا يُثير العجب والدهشة . سيعجب الإنسان آنذاك من الأمر ، ويدهش من دقّة هذه الصحيفة المدوّنة ، تلك الدقّة في التدوين والتسجيل التي لا تخطر على عقل الإنسان ، لأنّ الله هو المُحصي ، ولأنّ هذه الصحيفة قد نظّمت بأمره وتحت إشرافه .