والجحيم التي ستبرز في دار الآخرة بحيث يُشاهدها الخلائق عند ذلك بعلم اليقين ثمّ بعين اليقين هي باطن هذه الصورة السفليّة الطبيعيّة التي تحرق نارها الأبدان وتبدّل الجلود بالاستحالة والذوبان ، لكنّها مستورة هاهنا على هذه الحواسّ الداثرة الفانية ، فإذا خرجت النفوس عن هذا العالم وبُعثر ما في القبور وحُصّل ما في الصدور نراها ذلك اليوم بصورتها الكامنة اليوم ، كما في قوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ . « 1 »
ومن العجب أنّه كما أنّ باطن هذه النار الحسّيّة نار اخرويّة ، كذلك باطن الماء وغيره من الصور السفليّة نار اخرويّة أيضاً ؛ كما في قوله تعالى :
اغْرِقُوا فَادْخِلُوا نَاراً . « 2 »
وقوله : وَإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ . « 3 »
ويروى عن الضحّاك في قوله تعالى اغْرِقُوا فَادْخِلُوا نَاراً : « هي حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب آخر » .
وعن بعضهم : يَا بَحْرُ ! مَتَى تَصِيرُ نَاراً ؟
وهي النار التي وقودها الناس والحجارة ، وهذه النار غير النار النفسانيّة الموقدة التي تطلّع على الأفئدة ، وهما جميعاً غير النار الحقّة التي هي صورة عقليّة تفيض عنها الصورة النفسانيّة الناريّة ، وهذه النار المحسوسة هي كسائر الأمور التي لها صورة حسّيّة في هذا العالم وصورة
هامش
( 1 ) - الآيات 5 إلى 7 : من السورة 102 : التكاثر .
( 2 ) - الآية 25 ، من السورة 71 : نوح .
( 3 ) - الآية 6 ، من السورة 81 : التكوير .