تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
الذاتيّة للشيء المعلول ، بل هو مهيّئ للمادّة ومعدّ لقبول الصورة من مبدئها الذاتيّ ، فإذاً ثبت وتحقّق أنّ لكلّ من الصور العنصريّة والجماديّة صورة أخرى كماليّة في ذاتها غائبة عن أبصارها قريبة منها ، وليست هي بعينها العقل الفعّال بلا متوسّط لأنّا قد أشرنا إلى أنّ الأدنى لا يصدر من الأعلى إلّا بمتوسّط مناسب للجانبين ، فلكلّ من هذه الصور صور غيبيّة هذه شهادتها وأخرى هذه دنياها . إلّا أنّ منازل الآخرة كمنازل الدنيا متفاوتة في اللطافة والكثافة ومترتّبة في القرب من الله والبُعد عنه ، ومعاد الخلائق في الآخرة على حسب مراتبها في الدنيا ، فالأشرف يُعاد إلى الأشرف والأخسّ إلى الأخسّ ، ومتى انتقلت صورة في هذا العالم من خسّة إلى شرف ومن نقصٍ إلى كمال كما انتقلت صورة الجماد إلى النبات ، أو صورة النبات إلى صورة الحيوان ، كان معادها إلى معاد ما انتقلت إليه وكان ذلك ، كما أنّ الرجل الكافر إذا أسلم ، أو الرجل الفاجر الفاسق إذا تاب عن فسقه وفجوره وصار امرءاً فاضلًا صالحاً انتقل معاده الذي كان إلى بعض طبقات الجحيم وأبوابها كائناً إلى بعض طبقات الجنان وأبوابها على حسب مقامه وحاله في الدنيا . فإذاً ما من موجود من الموجودات الطبيعيّة المادّيّة إلّا وله صورة مثاليّة في الآخرة ، ولصورته المثاليّة صورة عقليّة في عالمٍ آخر فوقها هي دار المقرّبين ومقعد العلّيّين ، والدليل على أنّ كلّ صورة حسّيّة باطنها صورة مثاليّة تتقوّم بها وتعود إليها ، وكلّ صورة مثاليّة باطنها صورة عقليّة تتقوّم بها وتحيى بحياتها وتعود إليها ، أنّا متّى أحسسنا بشيء ووقعت صورته في قوّة حسّنا واستكمل حسّنا بها ، تصوّرت بها أيضاً قوّة خيالنا التي أقمنا البراهين في كتبنا على تجرّدها وتجرّد ما تصوّر فيها ، وتمثّل لها ، وكذلك انتقلت في عقلنا صورتها العقليّة ، فلولا أنّ بين محسوسها