تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ومتخيّلها ومتعقلّها علاقة ذاتيّة لما كان الأمر كذلك ، وكذلك الأمر بالعكس فمتى تعقّلنا صورة عقليّة ووقعت منها حكاية تطابقها في خيالنا ، وإذا اشتدّ وجود الصورة في عالم الخيال تمثّلت بين يدي حسّنا منها صورة في الخارج ، كما قال تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا . « 1 » ومن هذا القبيل رؤية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم صورة جبرائيل كأنّه طبق الخافقين ، وكذا التي يراها الإنسان في عالم الجنان من الأشجار والأنهار والغرفات والصور الحسان والحور والغلمان ، وكذا ما يراها أصحاب الجحيم من السلاسل والأغلال والحميم والزقوم والعقارب والحيّات وغير ذلك إنّما يبرز من الباطن إلى الظاهر ، وكلّ صورة حسّيّة هيولى للصورة النفسانيّة وهي للعقليّة . وقد علمت أنّ الصورة تمام الهيولى التي بها تصير موجودة بالفعل وبها بقاؤها وكمالها ، فبقاء الحسّ بالنفس وبقاء النفس بالعقل وبقاء العقل بالباري الحقّ فاعل الكلّ وغاية الكلّ ومتمّم صورة الكلّ ، وتقول أيضاً إنّ الصور الحسّيّة قوالب للخياليّة وهي أرواحها ، والخياليّة قوالب للعقليّة وهي حقائقها ، فإذاً حشر الأبدان الطبيعيّة إلى الأبدان الاخرويّة ، وحشر تلك الأبدان إلى الصور العقليّة وحشرها إلى الله تعالى . قال الفيلسوف في الميمر الثامن إنّ هيولى العقل شريفة جدّاً ، لأنّها بسيطة عقليّة غير أنّ العقل أشدّ منها انبساطاً وهو محيط بها ، وإنّ هيولى النفس شريفة جدّاً ، لأنّها بسيطة نفسانيّة غير أنّ النفس أشدّ انبساطاً منها وهي محيطة بها ومؤثّرة فيها الآثار العجيبة بمعونة العقل ، فلذلك صارت أشرف وأكرم من الهيولى ، لأنّها تحيط بها وتصوّر فيها الصور العجيبة ،
هامش
( 1 ) - الآية 17 ، من السورة 19 : مريم .