والدليل على ذلك العالم الحسّيّ ، فإنّ من يراه يكثر منه عجبه ، ولا سيّما إذا رأى عظمته وحسنه وشرفه وحركته المتّصلة الدائمة السائرة التي فيها الظاهرة منها والخفيّة والأرواح الساكنة في هذا العالم من الحيوان والهواء والنبات وسائر الأشكال كلّها ، إذا رأى هذه الأشياء الحسّيّة التي في هذا السفليّ الحسّيّ فليرتقِ بعقله إلى العالم الأعلى الحقّ الذي إنّما هذا العالم مثال له ويُلقى بصره عليه ، فإنّه سيرى الأشياء كلّها التي رآها في هذا العالم هناك ، غير أنّه يراها هناك عقليّة دائمة متّصلة ذات فضائل وحياة نقيّة ليس يشوبها شيء من الأدناس ، ويرى هناك الأشياء ممتلئة عقلًا وحكمة من أجل النور الفائض عليها ، وكلّ واحد يحرص على الترقّي إلى درجة صاحبه ، وأن يدنو من النور الأوّل الفائض على ذلك العالم ، وذلك العالم محيط بالأشياء كلّها ، الدائم الذي لا يموت ، والمحيط بجميع العقول والأنفس - انتهى كلامه .
فثبت وتحقّق من جميع ما ذكرناه ونقلناه أنّ لكلّ صورة حسّيّة صورة نفسانيّة في عالم الغيب هي معاد هذه الصورة ومرجعها الذي تُحشر إليه بعد زوالها عن هذا العالم ، أي عالم الحسّ والشهادة ، وهي الآن أيضاً متّصلة بها راجعة إليها لكنّها لمّا كانت مغمورة في الهيولى مشوبةً بالنقايض والإعدام ، محجوبةً بالغواشي لا يتبيّن حشرها إلى تلك الصورة النفسانيّة لمن أراد أن يراها ويشاهدها إلّا أهل المعرفة الذين يشاهدون أحوال الآخرة بأعين البصائر ، فإذا انفسخت صورتها المادّيّة وتجرّدت عن هذه الغواشي الجسمانيّة التي هي بالحقيقة مقبرة ما في علم الله ، برزت إلى ذلك العالم وحُشرت إلى دار الآخرة كما قال تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى . « 1 »
هامش
( 1 ) - الآية 36 ، من السورة 79 : النازعات .