قال الفيلسوف الأوّل في كتاب « الربوبيّة » :
فإن قال قائل : إن كانت قوّة النفس تفارق الشجرة بعد قطع أصلها ، فأين تذهب تلك القوّة أو تلك النفس ؟ قلنا : تصير إلى المكان الذي لم تفارقه ، وهو العالم العقليّ . » « 1 »
وهذه الحركة والبحث من النبات يمثّلان سيره إلى حشره ومعاده ، إذ : وَإن مِّن شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . « 2 »
الخامس : حشر الجمادات :
إنّ جميع الجمادات لها حشر ، حتّى المادّة الأولى والهيولى البحتة الصرفة ، لأنّها لم توجد في عالم الوجود عبثاً ، ولأنّها خلقت لهدف وقصد معيّنين تسعى إليهما بوجودها وحركتها ، سواءً كانت حركتها جوهريّة أم غير جوهريّة ؛ محاولةً سدّ نقصها من خلال الوصول إلى ذلك الهدف ، وتبديل حركتها إلى سكون واستقرار .
كلام صدر المتألّهين في حشر جميع الموجودات إلى الله عزّ وجلّ
قال صدر المتألّهين : « وكلّ صورة ناقصة لا يمكن وجودها إلّا بصورة مجدّدة متمّمة لها محيطة بها مخرجة إيّاها عن القوّة إلى الفعل ، ولولاها لم يكن لهذه الناقصة وجود ، إذ الناقص لا يقوم بذاته إلّا بالكامل ، والقوّة والإمكان لا يوجدان إلّا بالفعليّة والوجوب ، فالكمال أبداً قبل النقص ، والوجوب دائماً قبل الإمكان ، وما بالفعل البتّة قبل ما بالقوّة ، قبليّته بالذات ، والذي يُوقع الناس في الغلط والاشتباه ما يرون في هذا العالم من تقدّم القوّة والنقص على الفعليّة والكمال تقدّماً بالزمان ، كالبذر على الثمرة والنطفة على الحيوان ، أوَ لم يعلموا أنّ هذا التقدّم الزمانيّ ليس من الأسباب
هامش
( 1 ) - « رسالة الحشر » ، ص 351 .
( 2 ) - الآية 44 ، من السورة 17 : الإسراء .