والتضادّ لبُعدها عن عالم الوحدة . ومن نظر في الحواسّ الخمس وافتراقها في أعضاء البدن واتّحادها في الحسّ المشترك سهل عليه التصديق بأنّ قوى النفس الواحدة مجتمعة فيها متفرقة في الأعضاء ، بل هذه الأعضاء أيضاً في مقام النفس واحدة ليس موضع العين غير موضع السمع ولا موضع اليد غير موضع الرِّجل ولا مواضع الأعضاء هناك كلّها مختلفة ، لأنّ النفس - كما عُلم - أمر روحانيّ وجميع أعضائها روحانيّة ، والروحانيّات لا تزاحم ولا تضايق بينها سواء كانت النفس عقلانيّة وأعضاؤها عقليّة أم حيوانيّة وأعضاؤها مثاليّة ، كما أوضحه معلّم الفلسفة ، وبيّن أنّ في الإنسان الحسّيّ ، الإنسان النفسيّ والإنسان العقليّ ، وبيّن أنّ جميع الأعضاء التي في الإنسان الحسّيّ هي في الإنسان النفسيّ على وجهٍ ألطف ، وكذا جميع الأعضاء التي في الإنسان النفسيّ هي أيضاً في الإنسان العقليّ على وجهٍ أعلى وأشرف ، وأمعن في ذلك إمعاناً شديداً لو نقلنا ما ذكره لأدّى إلى الإطناب ؛ فعُلم أنّ هذه القوى الطبيعيّة والحواسّ المتوزّعة في البدن الطبيعيّ الحسّيّ كلّها متّصلة بالنفس المتخيّلة محشورة إليها ، وهي بجميع قواها وحواسّها المثاليّة متّصلة بالعقل الفعّال في أنفسها المعبّر عنه بالإنسان العقليّ الذي هو الروح المضاف إلى الله تعالى في قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ؛ وهي كلمة الله وأمره المُشار إليها في قوله : إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ . وقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي .
وهي التي من الله مشرقها وإلى الله مغربها ؛ وفي الحديث عن بعض أئمّتنا عليهم السلام : إنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ لأشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللهِ مِنْ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا .
فإذن كما أنّ قوى النفس الإنسانيّة العقليّة راجعة إليها متّصلة بها اتّصال الأشعة بالشمس ، فكذلك نفوس كلّ واحد من أنواع الحيوان يتّصل
معرفة المعاد — صفحة 181
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٨١