تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ثمّ ، لأنّ العالم هناك ليس عالماً زمنيّاً ، وليس من تدريج وتغيّر وتبدّل ، بل هو عالم الوجدان . وهو عالم مدهش ومثير للعجب ، يسيطر فيه الإنسان ويُهيمن على نفسه وعلى جميع أعماله ويرى ما الذي فعل وما الذي اجترح ، ويُدعى ذلك العالم بعالم العَرْض الذي يمثّل أحد العوالم التي تنتظرنا بعد عالمي الحشر والنشر . فقد كان عالم الحشر عالم الجمع ، وكان عالم النشر عالم البسط والبقاء ونشر النفس في كثراتها ، أمّا عالم العَرْض فيلي البقاء ، حيث يُعرض على الله تعالى الإنسان المحيط بأعماله وأفعاله وسيرته ، وحيث يدرك الإنسان بالوجدان نفسه مع جميع ما قدّم في سابق الأيّام وفي أواخرها : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأخَّرَتْ . « 1 » فيُعرض ذلك كلّه في محضر الله تعالى : وَعُرِضُوا عَلَى رَبّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا . « 2 » لقد تركتم جميع الآمال وخلّفتم الزوجة والولد والأمور الاعتباريّة التي أحاطتكم من كلّ جهة ، والتي اعتمدتم عليها في عالم المجاز والاعتبار ، تركتموها بأجمعها وراءكم وأتيتم إلى هذا العالم فرادى كما هي حالكم حين أتيتم إلى الدنيا . ولم تكونوا تحسبون أبداً أنّ لكم موعداً ستحضرون فيه لدينا ، ولو ظننتم ذلك لأعددتم - على أقلّ تقدير - مستلزمات سفركم لئلّا تُبتلون هنا بهذه الآثار والأعمال التي قدّمتوها فصارت تلازم أنفسكم .

مقام عرض الكفّار على نار جهنّم

يَوْمَئذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ . « 3 »
هامش
( 1 ) - الآية 5 ، من السورة 82 : الانفطار . ( 2 ) - الآية 48 ، من السورة 18 : الكهف . ( 3 ) - الآية 18 ، من السورة 69 : الحاقّة .