لا تدوّن في صحيفة فيُعطاها في يده ، بل إنّ حقيقة هذه الأعمال تُرى للإنسان ، كما ليست صحيفة الأعمال عبارة عن كتاب مدوّن قد سُجّل فيه ما فعله في اليوم الفلانيّ وما ارتكبه في الساعة الفلانيّة ، بل إنّ صحيفة الأعمال هي كتاب التكوين والتحقّق المدوّن في عالمي الخارج والوجود .
وسيمثل في كتاب الوجود والحدوث ذلك ما نشأ من الإنسان ، فنفس العمل وحقيقته موجودان في كتاب التكوين ، وسيُعرضان للإنسان فيراهما بامّ عينيه ، ليس كمن ينظر إلى ستار السينما ويتفرّج على الأحداث المصوّرة المعروضة عليه ، ومن بينها الأعمال التي فعلها بنفسه ، إذ ليس الأمر على هذا النحو .
بل إنّ العلم الذي يحصل للإنسان بأعماله علم حضوريّ لا حصوليّ ، أي أنّ ذلك المعلوم ليس خارجاً من دائرة نفسه ، بل من علوم نفسه ، فنفسه محيطة بتلك العلوم وبنفسها ، لأنّها قد أشرقت في مقام التجرّد ووصلت إلى مقام البقاء وخرجت من مقام الفناء وحصلت بعد الفناء على البقاء بالله تعالى ، لذا فإنّها ستحصل من خلال حال التجرّد تلك على السيطرة على عالم كثرتها .
وكما نحيط الآن بجميع قوانا ، أي كما أنّ جميع قوانا موجودة لدينا ؛ وكما أنّ ذهننا لنا ، وكما أنّ عقلنا لنا ، وكما أنّ حسّنا المشترك والقوّة الحافظة والقوّة الواهمة هي لنا ، وكما أنّ لدينا علماً حضوريّاً - لا حصوليّاً - بالنسبة إلى قوانا هذه ؛ فالأمر كذلك هناك ، حيث يحصل للإنسان علم حضوريّ بجميع أعماله ، فيهيمن ويُسيطر على حقيقة أعماله منذ زمن ولادته إلى زمن موته . وسيجد في لحظة واحدة جميع هذا الزمن المتطاول مع جميع تفاصيله وحالاته ولحظاته من أعمال الشرّ والخير وجميع نواياه وأفكاره وأخلاقه وملكاته وعقائده ، وليست تلك اللحظة لحظةً لتزول من
معرفة المعاد — صفحة 161
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٦١