كذلك بالنسبة إلى باقي أعمال الإنسان ، بل حتّى الأعمال القبيحة لها ملكوت وباطن .
كما أنّ الإنسان يمتلك - بدوره - ظاهراً لا يختلف بين فرد وآخر ، فله طول ويدان ورجلان وعينان واذنان ، وله أعضاء وجوارح ؛ إلّا أنّ البواطن . ليست متماثلة مع بعضها ، فأحدهم مؤمن والآخر كافر ، وأحدهم عادل والآخر فاسق ؛ قد نوى أحدهم خيراً ونوى الآخر شرّاً ، وهكذا .
إنّ كثيراً من الأفراد لهم ارتباط مع ربّهم ، والكثير الآخر معزولون لا رابطة لهم به ، ولبعض الناس ذهن مطمئن ، بينما لكثير منهم ذهن مضطرب مشوّش ؛ يتبع كثيرٌ منهم الهوى والهوس ، بينما البعض الآخر يهربون منهما . هذا يعدّ الدنيا داراً أبديّة خالدة ، فهو في حركة ونشاط في باطنه من أجل نيلها والوصول إليها ؛ وذاك يعدّ الدنيا فانية ويعتبر الآخرة باقية ، فينظّم - على هذا الأساس والمحور - أمور حياته ومعيشته .
إنّ جميع أفراد البشر يختلفون - بلحاظ الباطن - عن بعضهم في إدراكاتهم وعقائدهم ، اطمئنانهم وسكونهم ، ملكاتهم وأخلاقهم وصفاتهم ؛ بينما لا ندرك ذلك منهم بلحاظ الظاهر والشهود ، فهي أمور تعود إلى الغيب والباطن .
المقدّمة الرابعة : ما دمنا أسرى الهوى والهوس ، وما دامت أعيننا معلّقة بهذا العالم لا تبرحه ، وما دمنا نعجز عن إلقاء نظرنا إلى الباطن ، فإنّنا سنرى هذه الموجودات في عالم الطبيعة في تلك الصور الظاهريّة ؛ فإذا صلّى امرؤ - مثلًا - مدفوعاً بالإخلاص أو بالرياء ، فإنّنا لا ندرك ذلك ، لأنّنا نرى ظاهر الصلاة فقط ، أمّا الباطن فأمرٌ آخر لا نفهمه ولا ندركه ، وقد يمكن أن يكون للباطن - دون أن ندرك - عدّة صور أو عدة آلاف من الصور .
معرفة المعاد — صفحة 133
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٣