تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الأفلاك وعالم الحيوان ، لأنّ هذه الأقوال مجازيّة على سبيل التشبيه ؛ فإنّ الدنيا والآخرة لو لم يكونا عالمين تامّين فلا يكون في الوجود عالم تامّ ، لأنّ المجموع ليس منتظماً في سلك واحد إلّا بأن يكون أحدهما باطن الآخر والآخر ظاهره كما أشرنا إليه ، وهذا كلام آخر فيه غموض ، فإذا لم يكونا مع مباينة كلّ منهما للآخر في الوجود ممّا يشملهما عالم آخر ، فلا محالة كلّ منهما عالم تامّ كما اطلق القول عليه في السنّة الشريفة : إنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَالَمَينِ ، الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ . وممّا يوضّح أيضاً القول بأنّ الآخرة ليست من جنس هذا العالم ، أنّ الآخرة نشأة باقية يتكلّم الإنسان فيها مع الله ، وهذه نشأة دائرة بائدة أهلها ، هالكة الذوات ولا ينظر إليهم ، واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات . وأمّا مكالمة الأنبياء مع الله تعالى ومخاطبة سيّد الرسل صلّى الله عليه وآله وسلّم معه تعالى ليلة المعراج ، فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم . وممّا يدّل على ذلك قوله تعالى : وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ . « 1 » فإنّه صريح في أنّ نشأة الآخرة غير نشأة الدنيا . « 2 » وبالجملة فنحو وجود الآخرة غير نحو وجود الدنيا ، ولو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصحّ أن يقال إنّ الدنيا يخرب والآخرة دار القرار ، لأنّ الدنيا إنّما هي دنيا بالجوهر والوجود لا بالعوارض الشخصيّة
هامش
( 1 ) - النصف الثاني من الآية 61 ، من السورة 56 : الواقعة . ( 2 ) - من أوضح وأجلى الآيات الدالّة على أنّ الآخرة ليست في عَرْض الدنيا ، بل هي في طول الدنيا وفي باطنها ، الآية 7 ، من السورة 30 : الروم : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ . إذ يستفاد من قرينة التقابل التي جعلت الآخرة مقابل ظاهر الدنيا ، أنّ الآخرة هي باطن الحياة الدنيا .