إثبات المكان على هذا الوجه للجنّة والنار باطل ؛ فالشبهة منهدمة الأساس مقتلعة الأصل . وممّا يوضّح ذلك حسب ما مضت الإشارة إليه أنّ عالم الآخرة عالم تامّ لا يخرج عنه شيء من جوهره ، وما هذا شأنه لا يكون في مكان كما ليس لمجموع هذا العالم أيضاً مكان يمكن أن يقع إليه إشارة وضعيّة من خارجه أو داخله ، لأنّ مكان الشيء إنّما يتقرّر بحسب نسبته وإضافته إلى ما هو مباين له في وضعه خارج عنه في إضافته ، وليس في خارج هذه الدار شيء من جنسه وإلّا لم يوجد بتمامه ، ولا في داخله أيضاً ما يكون مفصولًا عن جميعه إذا أخذ من هذه الحيثيّة . فلا إشارة حسيّة إلى هذا العالم عند أخذه تامّاً كاملًا لا من داخله ولا من خارجه فلا يكون له أين ووضع . ولهذا المعنى حكم معلّم الفلاسفة بأنّ العالم بتمامه لامكان له ، فقد اتّضح أنّ طلب المكان لما يكون عالماً تامّاً باطلٌ ، والمغالطة نشأت من قياس الجزء على الكلّ ، والاشتباه بين الناقص والكامل .
ثمّ على سبيل التنزّل عن هذا ، لو سأل سائل هل الدار الآخرة مع هذه الدار منتظمتان في سلك واحد والمجموع عالم واحد ، فحينئذٍ يكون طلب المكان لهما صحيحاً ، أو كلّ منهما عالمٌ مباين الجوهر والذات للآخر غير منسلك معها في سلك واحد لا يجمعهما دار واحدة ، فحينئذٍ طلب المكان لهما غير صحيح ، وأنت تعلم أنّ الحقّ هو الثاني ، إلّا أن يُراد بكونهما واحداً ضرباً آخر من الوحدة ، فإنّ العوالم والنشئات متداخلة في المعنى والقوام لا في الوضع والامتداد ، مع كون كلّ منهما عالم تامّ . أو لا ترى أنّ أهل العالم متّفقون على قولهم هذا العالم وذلك العالم حسبما ورثوه من أسلافهم ومقدّميهم ، ولو كان المجموع عالماً واحداً كان هذا القول باطلًا .
ولا يصحّ أن يقال هذا الإطلاق من قبيل قولهم عالم العناصر وعالم
معرفة المعاد — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٤