الوثنيّة أُلوهيّتهم . وهي فلسفة تُثبت أُلوهيّة الأرباب ، لا نفس الأصنام والتماثيل التي هي صور وأمثله لُاولئك الأرباب ، وتمثّل تلك الحقيقة في هذه الصورة والهيئة .
ولقد بدأ هؤلاء الفتية كلامهم هنا بالتوحيد ونداء رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ، فَأسندوا ربوبيّة الموجودات جميعها إلى ذات الحقّ ، الحقّ الذي لا شريك له تعالى ؛ وأبطلوا الوثنيّة القائلة بإله وربّ لكلّ نوع من المخلوقات ، مثل ربّ السماء ، وربّ الأرض ، وربّ الإنسان .
ثمّ أكّدوا مطلبهم بقولهم : لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا ، فنفوا بهذه الحقيقة الآلهة التي جعلتها الوثنيّة فوق أرباب الأنواع كالعقول الكلّيّة ، ويعبدها الصابئة والبراهمة وطائفتا السيوا والوشنو .
ثمّ أكّدوا المطلب الآتي بقولهم : لَقَدْ قُلْنَآ إذًا شَطَطًا .
فأعلنوا أنّ هذا الكلام مقرون بالظلم والتجاوز والغلوّ في حقّ المخلوق الذي يرقى به إلى درجة الخالق . ثمّ هاجموا قومهم وأبطلوا فلسفتهم بقولهم : اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَوْلَا يَأتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ وجملة القول إنّهم وقفوا في وجه الوثنيّين الذين كانت لهم فلسفتهم ، وأعلوا التوحيد جهاراً ، فعُرِّضوا للضرب والقتل والاغتيال ، وأُجبروا على الفرار من بلدهم واللجوء إلى الكهف الذي كان مقرّ رحمة الله .
ولقد أكرم الله تعالى قدوم ضيوفه ، فضرب على آذانهم - كما يُفعل بالأطفال من أجل هدهدتهم وتنويمهم - بنغمات الشوق وجذبات الرحمة الإلهيّة ، فناموا في ذلك المكان المرتفع الممتع ، يقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال - كالامّ العطوف التي تودّع طفلها المهد ، فتبقى ساهرة عنده تهزّ مهده وذلك لئلّا تبلى أبدانهم ، وكانوا ينشقون النسيم الوارد في الغار بمأمن من الشمس وسطوع أشعّتها .
معرفة المعاد — صفحة 250
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٥٠