تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
قذراً ، جعل آلافاً من الأفكار المتينة الصائبة هباءً منثوراً وأسلمها إلى طوفان الفناء ، وصيّرها أشبه بالحشائش المتقصّفة والتراب الذي تذروه الريح ، وأحرق ما ينبته حقل الذهن واستأصله كما تحرق النار العشب فتجعله هشيماً ، ولفّق للمعجزات والكرامات تأويلات وتفسيرات باطلة غير مقبولة ، وسخر بالعلم واليقين والبرهان وهزأ بها . ولقام في النهاية بجمع شرذمة من الناس حوله بألف حيلة ومكر وخداع للعوامّ ، وفعل كما فعل ذلك الماكر المحتال الذي رسم على الأرض صورة الحيّة ، ثمّ اتّهم بالجهل ذلك العالم والمفكّر الذي كان قد كتب اسم الحيّة على الأرض . وسعى في إفساد سوق ذلك العالم وترويج سوقه هو ، وذلك في مجتمع جاهل يتخبّط في الظلمة والجهالة . ولقام بكتمان دعوة الحقّ في زوايا الخفاء ، ونشر أباطيله وأراجيفه الفكريّة تلك وجعلها هي الحاكمة .

قصّة الوليد بن المغيرة وإنكاره رسولَ الله مع قيام الدليل والبرهان

لقد كان الوليد بن المغيرة من شيوخ العرب وكبارهم ، وكان يُشار إليه بالبنان في الفطنة والذكاء ، وكانت له ثروة ومكنة وأموال وافرة في بسيط مكّة وجزيرة العرب ؛ « 1 » لكنّه مع ذلك حين سمع آيات من القرآن تلاها رسول الله نفسه ، فقد غرق في التفكير والتأمّل ، ولم يجد مفرّاً في النهاية
هامش
( 1 ) - الوليد بن المغيرة هو أحد الرجلين العربيّين العظيمين اللذين كان كفّار مكّة وقريش يقولون عنهما : لولا أُنزل القرآن على أحدهما : وَقَالُوا لَوْ لا أُنزِلَ هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( الآية 31 ، من السورة 43 : الزخرف ) . وفي « الاحتجاج » عن العسكريّ ، عن أبيه عليهما السلام قال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة ، إذ قال له عبد الله بن أُميّة المخزوميّ : لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولًا لبعثَ أجلّ من فيما بيننا مالًا وأحسنه حالًا ، فهلّا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولًا ، على رجلٍ من القريتين عظيم : إمّاً الوليد بن المغيرة بمكّة ، وإمّا عروة بن مسعود الثقفيّ بالطائف . ( « الميزان » ، ج 18 ، ص 111 ) .