وقدرتها وإحاطتها الوجوديّة والحياتيّة حبّة من خردل في صخرة أو خلف جبل أو في أعماق بحر أو في الفضاء أو في السماوات ، وكذلك كلّ موجود بقدر هذه الحبّة وزناً ، فكيف يمكن للإنسان الادّعاء بأنّ وجوده وأفعاله وعقائده وصفاته خارجة عن دائرة علم الله وقدرته ؟ وكيف يُنكر وجوده وحياته مع أنّ من المعلوم أنّ هذا الوجود الفعليّ في عالم التكوين ملازم ومستلزم للستجيل والتدوين وتحقّق المعاد ؟
إنّ الله تبارك وتعالى مقتدر ، وسيبعث الإنسان ويُحييه ، فيفهم آنذاك أنّ هذه الدنيا لم تُخلق عبثاً ، بل خُلقت وفق حساب دقيق . وسواءً أنكر الإنسان المعاد أم لم ينكره ، أو قال إنّ أحداً لم يذهب إلى ذلك العالم الذي أخبر الأنبياء به فيأتينا بالخبر اليقين . ولو تساءل : من سافر - ترى - إلى الآخرة ليجيء بخبرها ؟ !
إنّ الإنسان يرى من منظار الإدراك الحسّيّ أنه يموت ويُدفن تحت التراب ويصبح رميماً ، كما أنّ روحه ليست بالشيء المرئيّ لنقول إنّها لا تزال حيّة . فحقيقة الإنسان - إذَن - هي بدنه العنصريّ الذي يتلاشى ويتبدّد ، وليس هناك خبر عن الروح أيضاً ، فلا معاد ولا خبر حينئذٍ . هذه هي مقولة المادّيّين والدهريّين .
إنْ هي إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . « 1 »
إعلان المعاد من قبل الأنبياء لم يكن لإخافة الناس وإفزاعهم
وبناءً على ذلك فإنّ ما قاله الأنبياء إنّما كان من أجل مصلحة المجتمعات البشريّة وتنظيمها ، ولمنع الناس من الاعتداء على بعضهم البعض ، لذا كانوا يضعون فزّاعة على مرأى ومسمع من الناس تتمثّل بعذاب عالم الآخرة وجزائها ويظهرونها أمام قواهم المتخيّلة والوهميّة ليحدّوا من
هامش
( 1 ) - الآية 37 ، من السورة 23 : المؤمنون .