نزل الإنسان بوجوده كلّه فظهر في عالم الكثرة وارتدى لباس الطبع والمادّة ، وعليه أن يعود بهذه المجموعة التي هي عبارة عن البدن والمثال والنفس ، والظاهر والباطن ، والمُلك والملكوت . وإلّا فإن تقرّر أن يبقى هنا قسم من الإنسان ويعود القسم الآخر منه ، لما كان قد عاد بوجوده كلّه .
ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . « 1 »
إن العالم الذي نعيش فيه ليس عالم العبث والجزاف واللعب ، فأعمال الإنسان تدوّن وتسجّل ، سواءً تجاهل الإنسان ذلك أم لا ، بل إنّ هذا التجاهُل نفسه سيسجّل ويدوّن أيضاً .
لذا فإنّ الإنسان ليس بمعزل عن الحساب والمحاكمة ، فإن تكلّم رأى أنّ جهاز التسجيل يسجّل كلماته حرفاً حرفاً ، وإذا ما قلّب صفحات كتاب أو أوراق ما ، لسُجّل صوت تلك الورقة والصفحة أيضاً .
ومن ثمّ فإنّ الإنسان لا يمكنه أن يُخفي شيئاً في عالم الكون والتكوين ، وستكون عودته إلى الله الذي سيُطلعه على جميع أفعاله وسيرته .
لقد كان لقمان من الحكماء الكبار ، وكان له منصب النبوّة على ما في بعض الروايات ، وكان من بين نصائحه ومواعظه لابنه ، قوله :
يَا بُنَيَّ إنهَا إنتَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ، فَتَكُن في صَخْرَةٍ أوْ في السَّمَوَاتِ أوْ في الأرْضِ يَأتِ بِهَا اللهُ إنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . « 2 »
وحينما لا تخفى على الذات الأحديّة ولا تخرج من دائرة علمها
هامش
( 1 ) - النصف الثاني للآية 15 ، من السورة 31 : لقمان .
( 2 ) - الآية 16 ، من السورة 31 : لقمان .
الخردل : نوع من الفلفل ، له بزور سوداء صغيرة ذات طعم حادّ .