تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
إن هذه التحوّلات والتطوّرات عجيبة وغريبة بحيث إذا ما حاول الإنسان أن يفكّر فيها ، وأن يتدبّر في المدارج والمعارج الصعوديّة والتكامليّة لهذه النطفة ، فإنّ عقله سيشلّ عن التفكير ، ولسانه سيخرس عن النطق . وعلى الرغم من أنّ الموجودات جميعها عجيبة ، لكن لا حدّ للعجب في طي المراحل التكامليّة للنطفة . ولذا فإنّ الله سبحانه حين ذكر في مواضع عديدة من القرآن الكريم قصّة خلق الجنين ، فإنّه أشار إليها بعنوان العظمة ، ويقول في موضوع من تلك المواضع : فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ . « 1 » إن مثل هذه اليد التي تخلق هذا الخلق طافحة بالبركة والجود حقّاً ! فالنطفة هي ذرّة لا تراها العين المجرّدة ، ولا عقل لها ولا شعور ، ولا يد ولا رجل ، ولا سائر الأعضاء والجوارح ، وهي مبدأ خلقة الإنسان . وحين تُقسّم قطرة من نطفة إلى أربعة ملايين جزء ، فإنّ جزءاً واحداً غير مرئيّ منها هو أصل النطفة ( أي الحويمن ) ، اي لا شيء في الحقيقة . وهكذا فإنّ الله تعالى يخلق من هذا اللاشيء عيناً وأُذناً وقلباً وكبداً ورئة وكلية وعروقاً وشحماً ، ويخلق عظاماً وغضروفاً وعضلات وأعصاباً ، ويخلق في كلّ يد خمسة أصابع ، ولكلّ إصبع مفاصل عديدة لها جميعها أعصاب متّصلة كلّها بالمخّ . فهناك أعصاب للحسّ وأعصاب للحركة ، وهناك مواضع فيها أعصاب للحركة وليس فيها أعصاب للحسّ ، فأمعاء الإنسان تتحرّك إلّا أنها بدون حسّ ، اي : أنّ إحساسها ضعيف . وهكذا فإنّ معدتنا وكليتنا في حركة دائمة دائبة ، إلّا أننا لا نحسّ بتلك الحركة ،
هامش
( 1 ) - الفقرة الأخيرة للآية 14 ، من السورة 23 : المؤمنون .