أنهُمْ عَلَى شَيْءٍ ألآ إنهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ . « 1 »
فهذا الحلف الكاذب هو ظهور حيلتهم في الكذب والافتراء الذي يظهر يومئذٍ ، فمن كان الكذب سجيّته ، لازمته سجيّته هذه واصطحبها حين يرد المحشر .
إن اللصّ يحبّ السرقة على الدوام ، فإن نام رأى في المنام أنه يسرق . فهو في اليقظة يسرق خفية بعد ملاحظة ما يحيط به ، ويتكتّم على سرقته لئلّا يطّلع عليها أحد ، أمّا حال النوم حيث لا يرى سرقته أحد ، فإنّه يسرق دونما مبالاة .
والأمر صادق بالنسبة إلى المحتكرين الذين يجنون الأرباح الطائلة ، فإنّهم يرون في النوم أنهم يحتكرون ويبيعون بأثمان مرتفعة فيلتذّون برؤياهم هذه ، ثمّ يستيقظون فيتحسّرون لأنّ ذلك كان مجرّد رؤيا ، ولأنّ ذلك الاحتكار للأرزاق لم يكن له وجود خارجيّ .
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإنسان المتهتّك الغارق في الشهوات ، فهو يرى في المنام المناظر الشهويّة ، فيرى نفسه ملِكاً ، ويرى أنه يأمر وينهى ويضرب ويسلب . أمّا العالِم فيرى رؤيا تدور حول المطالعة والتدريس ، كما يرى العابد رؤيا تحوم حول العبادة والصلاة والركوع والسجود . وهذا أمر مسلّم تصدّقه التجربة وتشهد عليه بشواهد صادقة ، وقد بُيّنت علّته في الفلسفة الإلهيّة .
إن بعض الأفراد يكذبون إجمالًا ، لكنّ فيهم من ينسج الأكاذيب ويلفّقها بمهارة وحنكة ، فهم يختلقون أمام الإنسان قصّة كاذبة دون أدنى تأمّل أو تروٍّ سابق فيخدعونه بها . فمثل هؤلاء الأفراد قد تحجّرت خليقة
هامش
( 1 ) - الآية 18 ، من السورة 58 : المجادلة .