وأغمضها ودفن رأسه في الثلج كي لا يراه الصيّاد ، فهو بعمله هذا لا يرى الصيّاد ، لكنّ الصيّاد يراه .
وهكذا فإنّ الحَجَل لم يُخرج نفسهِ - في عالم الواقع ومتن الخارج من سيطرة الصيّاد وقبضته ، بل جعل نفسه طعمة سائغة له على أساس من الجهل وإسدال حجاب على فهمه وبصره .
وهكذا فإنّ الذين يفرّون من يد الله تعالى يتصوّرون أنهم يدخلون عالماً من البهجة واللذّة والمسرّة ، إلّا أنهم يجهلون أنهم خرجوا من الرحمة ودخلوا في البلاء والنكبة والنقمة . وأنّ الطاغوت ، ونعني به الامراء والحكّام الجائرين المستكبرين الجاهلين بالله ، سيدخلونهم في الظلمات ، ويسلبونهم ذلك القدر الذي كان لهم من النور ، فيغوصون في الظلمة والحلكة تدريجيّاً إثر متابعة الطاغوت ، حتّى يصلوا إلى محض الظلمة المطبقة ، فيخلدوا هناك .
أُولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
ذلك أنّ جهنّم من مظاهر البُعد عن رحمة الله وقربه ، فمن كان مخلّداً فيها كان مخلّداً في الظلمة .
الكفّار في الظلمات يوم الحساب مع أنّ القيامة تمثّل عالم النور
إذَن يستفاد من هذه الآية أنه على الرغم من أنّ القيامة هي عالم النور ، إلّا أنّ هناك شِرذمة يعيشون مخلّدين في الظلمة . وقد عرضنا سابقاً نظير هذا المطلب في موضوع الحجب ، وقلنا : إنّ العالَم ليس بعالم الحجاب ، بل هو عالم الظهور والبروز والتجلّي ، إلّا أنّ البعض - في الوقت نفسه - محجوبون عن البعض الآخر ، وأنّ الكفّار محجوبون ، فهذه المحجوبيّة من لوازم محدوديّة وجودهم ، فقد حدّدوا وجودهم وضيّقوه في الدنيا ، فصارت هذه المحدوديّة موجبة لحجابهم وبُعدهم ، وصاروا لا يستطيعون الخروج من ذلك التعيّن والتقيّد .