أنّ كلّ هذه الأمور تحصل في الظلمة ، فقد ضرب ستار من الجهل وعدم البصيرة وفقدان اليقين على قلوبهم وضمائرهم ، فهم يمارسون هذه الأعمال بلا هدف أو قصد وهي مشوبة بالشكّ والريب .
فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . « 1 »
يتردّدون في عالم الشكّ والاحتمال والظنّ ، فلا يضعون أقدامهم على مسير عالم العلم واليقين : أمّا المؤمنون بقلوبهم المشرقة وصدورهم المنشرحة وفكرهم المنفتح ، كالبصير الذي يفعل ما يفعله عن تروٍّ وتأمّل ، فيُقدم على القيام بالأمور المهمّة بفكر متين وعزم راسخ .
هل المؤمن البصير العالم كالكافر الأعمي الجاهل ؟
فهل يستوي مَن كان له مثل هذا النور ومَن هو في الظلمات لا يخرج منها ؟ وهل يستوي من كان مرتبطاً بربّه ومن يزحف في سجن الوهم والتخيّل ، فيرى هذا العالم - مع ما فيه من الجمال والسعة - منفصلًا ومتفرّقاً لا ارتباط له بالله ؟ إنّ الذي لا يعرف ربّه عدوّ للعالَم ومنفصل عنه ، وعدوّ للأُمّ والأب ، والزوجة والولد ، وعدوّ لسائق السيّارة ، ولساعي البريد ، وللرفيق والشريك ، وللعالم والجاهل ، وللشيخ والشابّ ؛ لأنه ينظر إلى الموجودات بنظر التفرقة . وبدلًا من أن ينظر إليها كلّها بنظر أُلفة وأُنس لارتباطها واتّحادها بأصل الخلقة ، فإنّه ينظر إليها بنظر الاثنينيّة والانفصال والعداء ، فيبقى في سجن الظلام الملئ بالجهل .
ومهما حاول إخراج نفسه من هذا السجن فإنّه سيعجز ، إذ لا عين له فيبصر بها ، ولا معرفة له بمحلّ الخروج والخلاص ، فهو أشبه بمن يغرق في البحر فتغمره اللجج العظيمة ، كلّما تخبّط في جهة ما زاد انغمارة فيها ، حتّى يكتنفه الهلاك المحض . وهذه هي عاقبة الجهل والغفلة والخيانة
هامش
( 1 ) - المقطع الأخير للآية 45 ، من السورة 9 : التوبة .