والرجل والمرأة ، ولا بين الشرقي والغربيّ . وعلى من شاء الذهاب إلى ذلك المكان أن يترك البدن في القبر فيحلّق إلى ذلك العالم . والموت مكتوب على الجميع ، وعليهم أن يتركوا عالم المادّة وراء ظهورهم ، ويمزّقوا حجاب الزمان والمكان ، ويرحلوا إلى مكانٍ مجرّد من المادّة ، إلى مكانٍ يستبين فيه كلّ شيء .
وإذا ما شاء الإنسان أن يفعل شيئاً في هذه الدنيا ، فعليه أن يعلم أنّ القيامة هي عالم البروز والظهور ، وأنّ عمله هذا سيظهر ويتجلّى أمام أنظار الخلائق .
وهنا يخاف الإنسان إذا فعل شيئاً أن يعرف به أبوه أو أُمّه أو أخوه أو رفيقه ، لذا يسعى دوماً لإخفاء عمله وإبقائه طيّ الكتمان . أمّا هناك فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ، إذ إنّ كلّ شيء سيكون حاضراً ومشهوداً .
فِي رحاب الآية : . . . فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .
إن أبصار موجودات العالم العلويّ حديد ، فما أن يفعل الإنسان شيئاً ويحاول إخفاءه ، فإنّ عمله هذا ومحاولة إخفائه سيكونان حاضرين مشهودين بأجمعهما . سيحضر العمل ومعه ذلك المكر والخداع الذي دبّره وأراد به إخفاء فعله . وواويلاه إذَن ! إذ لم يكن الإنسان يتوقّع أو ينتظر أن يصبح عمله مشهوداً للخلائق ، فها هي الحيلة النفسيّة في الإخفاء قد تجسّدت بجلاء ، ناهيك عن العمل نفسه .
هنالك يعضّ الإنسان على أصابعه ندماً ، هنالك : خَاشِعَةً أبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ . فوا عجباً أين كُنّا ؟ وإلى أين جيء بنا ؟ لقد تصوّرنا في مكاننا الأوّل أنّ كلّ شيء مخفي عن كلّ شيء ، فجيء بنا إلى حيث نرى أنّ جميع الموجودات مشهودة لجميع الموجودات . صار الأمر معكوساً تماماً ، فلقد تبدّل سنخ العالم وتحقّق قوله : وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ ، واتّضح قوله : وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا .