وسيصل هذا الإنسان ذو النفس الناطقة إلى حيث يشاهد جميع الموجودات ويراها منطوية في وجوده . فمن باب المثال افرضوا أنّ لنا - نحن المتحلّقين هنا - بدناً ومادّة . وهو أمر لا ريب فيه ، إذ نملك يداً ورجلًا وعيناً نستخدمها لإنجاز أعمالنا ، فنذهب ونرجع ويرى بعضنا بعضاً . ونحن لا ندرك بحواسّنا الظاهريّة شيئاً عن بعضنا غير هذا الهيكل الظاهر ، إلّا أنّ حقيقتنا وواقعنا ليست هذا البدن ، إذ إنّ لنا أفكاراً وإدراكات ، فنحن نعرف أصدقاءنا ومعارفنا وندركهم في أذهاننا . وإذا قُدّر أن تكون لنا نورانيّة وصفاء ، فإنّنا ما إن ننظر بأعيننا إلى الأصدقاء ونرى ظاهرهم ، فإنّنا سنخبُر بجميع ما تختزنه عقولهم وأفكارهم وأذهانهم وحقائقهم وعقائدهم وصفاتهم ونواياهم .
ولو كنّا نحن وأصدقاؤنا موجودات متلألئة ومتشعشعة نورانيّة كهذه المرايا والبلّورات ، بحيث لا يُحجب اي موجود عن حقائقنا وحقائق الموجودات الأخرى ، فإنّنا سندرك الكلّ ، كما سيدرك الكلّ كلّ الكلّ .
إن العلّة في عدم اطّلاعي على علومكم ، وفي عدم اطّلاعكم على علوم الأصدقاء ، وفي عدم اطّلاعكم على ما في خارج هذا المسجد الذي تجلسون فيه ، وعلى ما يُخبِّئهُ الغد ، تكمن في هذه الحجب المادّيّة . فإن أزيل الزمان والمكان وتلاشي حجاب المادّة ، فإنّ جميع الموجودات ستكون حاضرة الآن أمامكم ، وستكونون حاضرين لأصدقائكم ، وسيكون كلّ صديق حاضراً ومشهوداً لصديقه الآخر .
ولن يكون عندئذٍ من حجاب ، ولا من موجود محجوب عن موجود آخر ؛
نفس الإنسان الناطقة تحصل في مقام كمالها على الإحاطة بالموجودات
وسيصل الإنسان ذو النفس الناطقة ، إثر تكامل قواه وإمكاناته المودعة فيه ، إلى حيث يدرك الموجودات برمّتها ، وإلى حيث تصبح جميع حقائق العالم والعقول والصور والمعارف الإلهيّة منطوية في وجوده .
وكما كان الإنسان في أصل النشأة بسيطاً دون تعقيد ، وكان في مكان