أمّا حين يظهر نور الله فيشرق على هذه الحواسّ الميّتة الثملة النائمة ، فيمنحها الحياة والصحو والتيقّظ ، فإنّ الأمر سيتّضح آنذاك .
مَثَل ذلك تماماً كصحراء تتراكم في جهةٍ منها الأقذار والقُمامة والموادّ العفنة ، في حين تزهر في جهتها الأخرى الورود والرياحين والياسمين ، لكن لمّا كان الوقت ليلًا ، والجوّ بارداً ، والشمس غائبة لا تمنح نوراً ولا حرارة ، لذا لا روائح للأقذار تزكم الأنوف ، ولا عطور للرياحين تعبق من هذه الجهة .
أمّا حين تبزغ الشمس من وراء الأفق ، وتشعّ بنورها على هذه الأراضي اليابسة الباردة المظلمة ، فستتحرّك كافّة هذه الموجودات وتنشط وتظهر الآثار والخصائص الكامنة المودعة في وجودها .
فتهبّ من تلك الجهة حينئذٍ الروائح العفنة الكريهة ، وتعبق من هذه الجهة عطور الورود والرياحين .
إن ما يستلزمه ظهور الباطن وخفاء الظاهر هو ظهور الحقائق وارتفاع حُجب الماهيّات وأستار الهويّات ، ووصول الكلّ إلى غايةِ الغاياتِ ونهاية النهاياتِ الذي هو بدء البداياتِ وهو الله سبحانه وتعالى . فالجميع يصل إلى الله الذي هو المنزل الأقصى المقصود للموجودات بأسرها .
وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ . « 1 »
أي : أنكم سترجعون وتنقلب آثاركم وخصائصكم برمّتها فتصبحون شيئاً آخر ، وكأنّ عالم القيامة - وهو ظهور الحقّ - يقلب الإنسان ويبدّله إنساناً آخر . إنّ طلوع القيامة يجعل شؤون الحياة كلّها في صورة أخرى لا يتّسع لها فكر الإنسان أساساً ، ويجسّدها ويجعلها في مرأى منه
هامش
( 1 ) - المقطع الأخير من الآية 21 ، من السورة 29 : العنكبوت .