ولهذه الآية دلالة على أنّ الأعمال التي يفعلها الإنسان من خير وشرّ ، ستكون محضرة بنفسها يوم القيامة . اي : أنّ هذه الأعمال بعينها ستوجد في البرزخ ، وفي القيامة ؛ غاية الأمر أنّ صورتها البرزخيّة والقيامتيّة لا تُرى في هذه الدنيا ؛ فالقيامة والبرزخ - إذَن - قريبان من الدنيا إلى الحدّ الذي يحضر معه نفس العمل الدنيويّ فيهما ( في القيامة والبرزخ ) بمجرّد فعله ، ولما كان الإنسان خلف جداري البرزخ والقيامة فإنّه لا يرى هذه الأعمال بصورتها القيامتيّة .
فإذا عبر ، شاهد الأعمال التي أرسلها من قبل حاضرة وموجودة ومحفوظة بأجمعها . وهكذا ستوجد في القيامة الصورة البرزخيّة للعمل وحقيقة العمل نفسه بمجرّد حصول العمل في عالم الطبع ، وسيستقرّ كلٌّ منهما في موطنه وموضعه .
والآية الكريمة : وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلَى أجَلٍ مُسَّمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ؛ « 1 » آيةٌ عجيبة جدّاً في إفادة هذا المعنى مثار البحث .
لولا كلمةٌ سبقت من ربّك في أن يبقى الناس في الدنيا إلى أجل مسمّى ، ويؤخّر موتهم إلى ذلك الزمان ، لقُضي بين الناس فوراً ، ولرأى جميع أفراد البشر أنفسهم في القيامة . وإذ ليس بيننا وبين القيامة فاصل وحاجز ، والعلّة في الفاصل الذي وقع بيننا وبين القيامة كلمةُ الله وإرادته ، فقد سبقت وحالت دون ذلك .
فما هي تلك الكلمة ؟
وَلَكُمْ في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ . « 2 »
هامش
( 1 ) - مقطع من الآية 14 ، من السورة 42 : الشوري .
( 2 ) - المقطع الأخير من الآية 36 ، من السورة 2 : البقرة .