البرزخيّة جداراً فاصلًا أيضاً . فإذا استطاع الذين وردوا عالم المثال - من خلال تزكية النفس الأمّارة ومجاهدتها قَدْ أفْلَحَ مَن زَكَّاهَا - أن يطهّروا أنفسهم وسرائرهم من لوث ودنس عالم الصورة ولم يجعلوا غير الله فيها ، وكانت أعمالهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم كلّها وفق أمر الله تعالى ، فإنّ ذلك الحجاب القيامتيّ سيُزال عن أنظارهم . وسيكونون موجودين في الدنيا ، يعيشون على أرض الطبع وعالم الزمان ، لكنّهم وردوا عالم النفس والقيامة من البرزخ ، فصارت تلك الجنان الموعودة يوم القيامة حاضرةً بأجمعها أمامهم ، مشهودة لديهم .
أمّا الذين لا يفعلون ذلك ، فقد ذهبوا إلى عالم البرزخ ، لكنّهم عجزوا عن الذهاب إلى القيامة ، لذا فإنّ عليهم أن يطووا المسافة التي بينهم وبين القيامة ، ويجتازوا الجدار الحائل بينهم وبينها ليصلوا إلى الزمن الذي يحضرون فيه عند نفخ الصور في عالم القيامة .
وفي ضوء ذلك فإنّ القيامة ليست في عَرْض البرزخ بل في طوله ، لكنّ انكشاف عالم القيامة ومعرفة خصائص ذلك العالم وأحواله وخصوصيّاته وآثاره يتوقّفان على نفخ الصور واضمحلال عالم البرزخ .
ومن هنا فإنّ الأفراد الموجودين في الدنيا يصلون إلى البرزخ ، كما يصلون إلى القيامة ، وسيُشاهدون أنّ عالم البرزخ محيط بعالم الطبع هذا ، وأنّ عالم القيامة محيط بعالم البرزخ والدنيا كليهما .
ويتّضح - بعد بيان هذا المطلب الذي ذكرناه بوصفه مقدّمة - الجواب الذي نجيب به إذا ما سُئلنا عن وقت قيام القيامة .
الجواب أنّ القيامة حاضرة حاضرة ، وهي أقرب إلى الإنسان من لمح البصر ، ورضوان الله أقرب إلى الإنسان من لمح البصر ، لأنّ برزخ الإنسان في الإنسان نفسه ، ولأنّ قيامة الإنسان في الإنسان نفسه .
معرفة المعاد — صفحة 111
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١١