معنى تجلّي توحيد الله وعظمته يوم القيامة ومحجوبيّة المشركين
إذا كان من لوازم عالم الآخرة ، وهو عالم المعاد ، الاعتراف والإقرار بقدرة الله ووحدته وسائر أسمائه الحسني ، فما ذا يعني حجاب الكفّار والمشركين ؟ ونذكر المثال الآتي لتوضيح ذلك :
افرضوا أنّ هناك ملكاً يعيش تحت ظلّ حكومته جماعات معيّنة ، منهم أفراد مطيعون من أهل الصلاح والنزاهة يأتمرون بأمره ، وآخرون من أهل الظلم والطغيان والتمرّد والتعدّي .
وأذِنَ هذا الملك لجميع الأفراد المطيعين من أهل الصلاح ودعاهم إلى بلاطه ليوزّع عليهم الهدايا والصلات والجوائز ، فجالسهم وتبسّط معهم في الحديث والمفاكهة ، ووقّرهم وكرّمهم وأحاطهم برعايته وعنايته ، فيكون الملك قد أظهر نفسه لهم وهم جالسين في بلاطه ، ناظرين إلى عظمته وقدرته .
وفي ذلك اليوم يأمر هذا الملك بالقبض على الظالمين والخائنين والغشّاشين وحَبْسهم ، فيمتثل الخدم والحشم أمره ويبادرون إلى اعتقال المتمرّدين وتكبيلهم بالأغلال والسلاسل ويأتون بهم . فتكون قدرة الملك قد ظهرت لهم أيضاً في ذلك اليوم ، لأنهم يرون أنفسهم أسرى في يده وقبضته ، فهم لا يستطيعون أن يدّعوا إمكان فرارهم وخلاصهم وأنّ تحزّبهم وتجمّعهم سيحرّرهم .
وعلى كلّ حال ، فقد ظهرت قدرة السلطان وعظمته لكلتا المجموعتين ، المطيعة منهما والمتمرّدة ، ولكن شتّان بين هذه وتلك ؟
فأفراد المجموعة الأولى منعّمون يرفلون في الرياض وتهبّ عليهم النسائم متمتّعين بجمال السلطان وفي كنف عطفه وعنايته ، وفي ظلّ إحسانه وإنعامه . وهؤلاء في السجن والعذاب والأغلال ، يتلوّعون في أُتون الحياة .
أولئك تنالهم المراحم والعنايات والألطاف ، وهؤلاء عرضة للنقم