ولو نوقشت الصداقات بين أهل الدنيا ، للوحظ أنها قائمة على محور العهود والمواثيق والأمور الاعتباريّة الأخرى ، أو على أساس القرابة والرحم واتّحاد الدم . ولأنّ جميع هذه الأمور هي لتسكين الخاطر واستجلاب النفع الدنيويّ ، فإنّها لن تبقى أبعد من حافّة الموت وحدّه ، ولن تقاوم أكثر من ذلك وأبعد منه .
فالمرء يربّي ابنه ليستعين به عند هرمه وكبره ، ويحترم السيّد ليستفيد منه ، ويحبّ ولده ليطيعه وينفّذ أوامره . أمّا لو كبر ولده وتمرّد عليه ، ولو لم يعِنْه عند شيخوخته ؛ ولو سلّم اليوم على أحد فلم يجبه ؛ ولو لم تكن الزوجة بمستوى ما يتوقّع زوجها ؛ ولو لم يلبِّ الزوج أمنيات زوجته ؛ أفكانت المحبّة والمودّة ستصمد في هذه الحال وتبقى ، أم أنها ستتحوّل إلى ساحة تشتعل فيها نيران العداء والانفصال ؟
إن جميع صداقات أهل الدنيا لو جرى مناقشتها والفحص عن جذورها وعللها وأسباب نشوئها ، وعن علل تصرّمها وفقدانها ، لاتضح أنها قائمة بأجمعها - عدا المودّة التي تربط بين أولياء الله والمتّقين - على أساس الشهوة والغضب وعبادة المال والنفس ، وعلى أساس اللذائذ المادّيّة في الجنس والأكل وحبّ الجاه والرئاسة وسائر الأمور الاعتباريّة الوهميّة .
وحين تقوم القيامة ، فينهار هذا الأساس ويقلب رأساً على عقب : وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ . « 1 »
فإنّ هذه الصداقات تتبدّل إلى عداوة ، وإذا ما التقى يوم الجزاء الأصدقاءُ الذين تعاقدوا وتآخوا من فرط المحبّة والمودّة ، فإنّهم سينهالون ضرباً على رؤوس بعضهم البعض ويصرخون من أعماقهم في وجوه بعضهم :
هامش
( 1 ) - عجز الآية 21 ، من السورة 29 : العنكبوت .