عالم يفوق عالم النفس ، حيث لا زمان ولامكان ، بل الإحاطة التامّة للزمان والمكان ، فكلّ شيء حاضر لديهم ، الماضي والحال والمستقبل . والوقائع الحادثة مشهودة لديهم ، وعلم البلايا والمنايا لديهم أمر عاديّ مألوف .
فحين أزيل الزمان للمخلَصين ، فقد استوى لديهم الماضي والمضارع ، ووقفوا على علوم الأوّلين والآخرين وصارت حركة الجبال والصيحات وفوران البحار وغيرها حاضرة أمامهم ينظرون إليها ويشهدونها ، وصارت الأرض والسماء ، الثوابت والسيّارات ووقائع الأرض والسماء بأجمعها مشهودةً لديهم في عالم ما فوق الزمان وما يتعلّق بالزمان ، كما هي مشهودة للّه تبارك وتعالى .
ومع أنهم لم يعمّروا طويلًا ليروا نفخة الصور ويسمعونها ، وليُشاهدوا زلزلة القيامة ، إلّا أنهم - بسبب ارتقائهم إلى عالم التجرّد من المادّة والطبع - قد استولوا على جمع الزمانيّات وهيمنوا عليها ، فهي بأجمعها على مَرأى منهم ومَسمع .
وبطبيعة الحال فإنّ هذه المقامات مختصّة بأولئك الذين حيوا بحياة الله ، فلم يعد في وجودهم - بأيّ وجه من الوجوه - شيء من بقايا النفس وآثارها ، فهم طاهرون مطهّرون .
وذلك لأنّ وجودهم إذا احتوى في زاوية من زواياه على شيء من آثار النفس لما أحاطوا بالزمان . وجليّ بيّن أنّ من يكون - بذاته - أسيراً للزمن ، سجيناً مقيّداً به ، سيعجز أن يطّلع من أفق الزمان الأعلى للزمان ومتعلّقاته . « 1 »
هامش
( 1 ) - يقول أمير المؤمنين عليه السلام ضمن حكم نهج البلاغة : إنّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها ؛ واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها ؛ فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ؛ وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ؛ ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالًا ؛ ودركهم لها فوقاً ؛ أعداء ما سالم الناس ؛ وسلم ما عادى الناس ؛ بهم علم الكتاب وبه علموا ؛ وبهم قام الكتاب وبه قاموا ؛ لا يرون مرجوّاً فوق ما يرجون ؛ ولا مخوفاً فوق ما يخافون - « نهج البلاغة » ج 2 ، الحكمة 432 ، طبعة محمّد عبده - مصر ، ص 337 .