لأنهم سكارى الأمنيات والتخيّلات ، فمن سكر في غريزة ما عمت عيناه وصُمّت أذناه عن إدراك غيرها ، فصار أعمى وأصمّ . فهو - لذلك - لا يدرك الضرر والشرّ ونار جهنّم : حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ .
أمّا حين يفقد تلك الغريزة ، ويصحو من سكره الناجم عنها ، وتنفتح عينه واذنه فتبصر واقعه ، فإنّه سيرى ، يلحظ الأضرار التي لحقت به ، ويُعاين في أي لظى غرورٍ ونخوة واستكبار يحترق .
ومجمل القول إنّ الآيات والروايات التي تعدّ البرزخ والقيامة في الظاهر تلو الدنيا زمنيّاً ، تستند إلى أنّ معرفة تلك العوالم وإدراكها يحصل بعد الموت . وبمقتضى نصوص الآيات والأخبار الدالّة على فعليّة تحقّق تلك العوالم ، فإنّ الظهور في التلو الزمانيّ يجب حمله على التلو في المعرفة والانكشاف .
وهكذا فإنّ عباد الله المخلَصين الذين هم وجه الله وفقاً للآيات المذكورة ، والذين لا بوار لهم - من ثمّ - ولا هلاك ، قد انكشف لهم البرزخ والقيامة في الدنيا وعالم الطبع بواسطة مجاهدة النفس الأمّارة - وهو الجهاد الأكبر « 1 » وعلى إثر الأعمال الصالحة . أي أنهم خرجوا من الدنيا ووردوا عالم البرزخ وصيح بهم في البرزخ بنفخة صور الإماتة والإحياء ، ثمّ خرجوا من البرزخ ووردوا عالم القيامة ، وأدركوا عواقبه ونتائجه أيضاً .
لقد ماتوا بالموت الاختياريّ فهم أحياء بالحياة الإلهيّة ، ودخلوا إلي
هامش
( 1 ) - نقل في - « بحار الأنوار » ج 2 ، ص 42 عن « جامع الأخبار » أنّ رسول الله قال : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . ونقل في - « البحار » ، ج 6 ، ص 443 عن « الكافي » بإسناده عن الصادق عليه السلام أنّ رسول الله بعث بسريّة فلمّا رجعوا ، قال : مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر . قيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس .