تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
نكسوها اللحم . وانظر إلى الحمار ! انظر وتطلّع كيف نرفعه عن الأرض ونجمع في لحظة واحدة جميع تلك الذرّات ونصلها ببعضها ، وكيف اجتمعت ذرّات العظام المبدّدة هنا وهناك ، ثمّ كساها اللحم والجلد ، فنهض الحمار واقفاً . وانظر كيف بعثناك وجمعنا عظامك ثمّ كسوناها لحماً فجعلناك خلقا سويّاً ، بحيث صارت عيناك كغرقئ البيض « 1 » لامعتين برّاقتين ؛ والظاهر أنّ عيني إرميا كانتا أوّل ما خُلق منه . أفليس مُثيراً للعجب أن يفعل الله ذلك في طرفة عين ، فيجمع عظام إرميا البالية المبدّدة المسحوقة وعظام حماره المبدّدة المفتّتة المتلاشية ، فيجعلهما - وهو ينظر بامّ عينيه - حيّيْن سويّيْن صحيحيْن ؟ لقد أجيب على الاستبعادين اللذين طرحهما إرميا . فأجيب على طول المدّة والعهد بالسنوات المائة التي تصرّمت وانقضت ، وعلى تشتّت أجزاء الموتى وتفرّقها بجمع الله الأوصال والأجزاء المبدّدة ومنحه إيّاها الحياة أمام أعين إرميا ، ثمّ يصرّح سبحانه بأنا - إضافةً إلى هاتين الجهتين - فعلنا ذلك ليكون آية للناس . لقد كانت عبارة فَانْظُرْ إلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يتَسَنَّهْ لرفع استبعاد طول العهد والمدّة ، فالعنب والعصير لم يفسدا ، والحمار المتهرّئ قد بُعث حياً . وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ لعبرتهم ومشاهدتهم وللتأريخ ، في أنّ مائة سنة قد مرّت وحلّ جيل جديد محلّ آخر ، وأنّ إرميا الذي كان يوماً ما حيّاً يسير على الأرض ذا أثر ، ثمّ استحال خبراً احتلّ مكانه في صفحات التأريخ ، قد استحال من جديد أثراً ، وانسلّ من بين صفحات الكتب
هامش
( 1 ) - الغِرْقي : القشرة الملتزمة ببياض البيض ، وهي قشرة لطيفة رقيقة تلي قشر البيضة الصلب .