وهكذا فبعد أن دمّر بخت نصّر « 1 » بيت المقدس وقتل فيه سبعين ألف نفراً وهيمن على جميع نواحيه ، وبعد أن سوّى القرى والمدن بالأرض ، وبعد أن انهارت سقوف بيوت القرية ، وصار الموتى فيها عظاماً متناثرة مبدّدة مرّ إرميا على تلك القرية ( وما جاء في بعض الروايات التي تنسب هذه القصّة إلى عُزير ليس صحيحاً ، فتلك الروايات لا سند لها كما أنها من روايات الآحاد ، ومن المسلّم به أنّ هذه القصّة تتعلّق بإرميا ) .
كان إرميا يسير ، فمر في طريقه في الصحراء على قرية فشاهد سقوفها منهارة ومدمّرة ، ورأى أهليها موتى قد سقطوا على الأرض وتبدّدت عظامهم وتلاشت .
قَالَ أنى يُحْي هَذِهِ اللَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؟
لقد قال لمّا هاله الأمر وأثار دهشته : أنى يبعث الله هؤلاء الأفراد الكثيرين الذين استحالوا بعد موتهم بهذه الصورة ، فيمنحهم حياة جديدة ؟ ! لم ينكر إرميا البعث والإحياء ، فقد كان نبيّاً . لكنّ الأمر كان من الأهميّة بحيث كان يحيّر الإنسان . ولقد كان أمر البعث والنشور محيراً لإرميا لجهتين : إحداهما : أنّ تلك العظام كانت مبدّدة متباعدة عن بعضها ، وعلى وشك أن تكون رميماً متلاشياً ، فكيف يجمع الله هذه الذرّات المختلفة ويؤلّفها وينفخ فيها روح الحياة ؟
والأخرى : لبُعد العهد بالأمر ، فحتّى تحين القيامة فيشاء الله إحياء هؤلاء الموتى ، فإنّ كلّ ذرّة منهم كانت ستسقط في زاوية من الدنيا ، وستعصف بها الريح فتجعلها هباءً منثوراً .
هامش
( 1 ) - ذكرنا سابقاً فالمجلس الحادي والعشرين الوجه فضبط لفظ « بُخْتُنُصَّر » والسبب فتسميته بهذا الاسم .