وذلك لأن هذه الآية - كما قلنا سابقاً - حين تُضمّ إلى الآية الشريفة : فَإنهُمْ لَمُحْضَرُونَ ، إلَّا عِبَادَ اللَهِ الْمُخْلَصِينَ .
سيتّضح أنّ هذه الطائفة الآمنة من صعقة القيامة هم عباد الله المخلَصون . وذلك لأنهم قتلوا في جهاد الأنفس من خلال المراقبة والرياضة الشرعيّة والتحقوا بالحياة الأبديّة ، وعبروا القيامة العظمى الأنفسيّة ، وحوسبوا في مرحلة المجاهدة ، وها هم قد ارتدوا خلعة الحياة الأبديّة عند ربّهم إثر القتل في سبيل الله ، فهم منعّمون بالرزق الخاصّ النازل من الخزانة الأبديّة ، قال عزّ من قائل :
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَهِ أمْوَاتًا بَلْ أحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . « 1 »
إضافةً إلى ذلك فإنّنا نعلم أنّ الإحضار فرع على عدم الحضور ؛ فعباد الله المخلَصون كانوا حاضرين في كلّ مكان قبل ظهور طليعة القيامة ، وكانوا مطّلعين على جميع الأحوال . لأنه يقول : عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
الثالث : أنّ ما يلحق كلّ امرئ من الأجر والثواب يوم القيامة إنّما هو مقابل عمله ، اللهم إلّا هذا الصنف من العباد ، فالكرامة الإلهيّة لهم فوق أجر العمل وثوابه :
وَمَا تُجْزَونَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إلَّا عِبَادَ اللَهِ الْمُخْلَصِينَ . « 2 »
فإن قيل أنّ مفاد هذه الآية هو أنّ طائفة المعذّبين يجزون وفق أعمالهم ، إلّا عباد الله المحسنين فجزاؤهم ليس مقابل العمل ، بل يجزيهم
هامش
( 1 ) - الآية 169 ، من السورة 3 : آل عمران .
( 2 ) - الآيتان 39 و 40 ، من السورة 37 : الصافّات .